دعا مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي إلى إنشاء مؤشر وطني شامل يقيس تأثير الأمن على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يتضمن معايير مثل مستوى الاستقرار الأمني، معدلات الجريمة، ثقة المستثمرين، وتأثير الأمن على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر.
وطالب، من خلال ورقة تنفيذية صادرة عنه، توصل "تيلكيل عربي" بنسخة منها، بتشجيع التعاون بين المؤسسة الأمنية والقطاع الخاص لتطوير برامج ومبادرات تربط بين الأمن والتنمية، مثل إنشاء منصات للحوار الاقتصادي الأمني لتحديد التحديات ووضع حلول مشتركة، حيث يمكن أن يساهم ذلك في إبراز القيمة الاقتصادية غير المباشرة للأمن وتضمينها في تقارير المؤشر الوطني.
ونادى بدمج بُعد الأمن في استراتيجيات التنمية الوطنية، مع تخصيص مؤشرات فرعية ضمن المؤشر الوطني تركز على العلاقة بين الأمن والابتكار، ريادة الأعمال، والاستقرار الاقتصادي، على سبيل المثال، قياس تأثير الأمن على جذب الشركات الناشئة أو تعزيز السياحة.
وحث على إطلاق تقارير دورية توضح كيف يساهم الأمن في تحقيق التنمية المستدامة، مع نشر بيانات المؤشر الوطني بشكل علني لتعزيز الثقة في البيئة الاستثمارية، ويمكن أن تشمل هذه التقارير دراسات حالة تبرز كيف ساهم الاستقرار الأمني في نجاح مشاريع اقتصادية كبرى.
وطالب بإنشاء إطار تحليلي ضمن المؤشر الوطني لتقييم الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الاضطرابات الأمنية المحتملة، مثل انخفاض الاستثمار أو تراجع السياحة، ما يساعد في إبراز القيمة المضافة للأمن من خلال مقارنة السيناريوهات الاقتصادية في ظل الاستقرار وعدمه.
الاستقرار الأمني وبنية الاستثمار
كشفت الورقة التنفيذية أن الاستقرار الأمني والسياسي في المغرب ساهم في تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين، ما انعكس على ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) التي وصلت الى 26.3 مليار درهم سنة 2023، و43.2 مليار درهم سنة 2024، وهو ما يعكس ليس فقط متانة المؤسسات الأمنية، بل يبرز أيضا كيف أصبح الأمن عنصرا اقتصاديا ملموسا، يقلص من المخاطر ويجعل المغرب وجهة أكثر تنافسية مقارنة بالعديد من دول المنطقة.
وأشارت الوثيقة إلى أن الاستقرار الأمني في المغرب، ساهم في تقليص ما يعرف بـ "منحة المخاطر" (Risk Premium)، أي الفارق الذي يطلبه المستثمرون لتعويض المخاطر الأمنية والسياسية، فكل نقطة انخفاض في مستوى هذه المخاطر تعني خفض تكلفة التمويل وتوسيع قاعدة المستثمرين المحتملين، وهو ما انعكس على تنويع الاستثمارات الأجنبية في المملكة، حيث لم تقتصر على القطاعات التقليدية، بل شملت صناعات متقدمة كالسيارات، الطيران، الطاقات المتجددة، واللوجستيك، مما عزز مكانة المغرب كمنصة إقليمية للإنتاج والتصدير نحو أوروبا وإفريقيا وباقي الأسواق العالمية.
وكشفت أن مردودية الأمن على الاستثمار تتجلى أيضا في استدامة التدفقات المالية، ففي فترات متفرقة تجاوزت الاستثمارات الأجنبية المباشرة بالمغرب عتبة 20 مليار درهم سنويا، وهو مستوى يعكس ثقة متزايدة في البيئة المحلية، و لا تمثل هذه الأرقام فقط مؤشرات مالية، بل هي دليل على أن الأمن يشكل ركيزة للنمو الاقتصادي، لأنه يوفر بيئة يسودها التوقع والاستقرار، وهي شروط أساسية لأي قرار استثماري بعيد المدى، وبذلك، يمكن القول إن الأمن في المغرب تحول من "تكلفة" تسجل في الميزانية العامة إلى "أصل اقتصادي" يولد قيمة مضافة عبر جذب رؤوس الأجنبية وتحفيز الدينامية الاستثمارية.
الاستقرار الأمني والقطاع السياحي
في هذا الإطار، كشفت الوثيقة أن المغرب استقبل حوالي 17,4 مليون سائح سنة 2024، محققا مداخيل قياسية تجاوزت 119 مليار درهم، ما جعله أحد أبرز مصادر العملة الصعبة للاقتصاد الوطني، وهو ما يعكس بشكل واضح كيف يتحول الأمن إلى أصل اقتصادي مولد للقيمة المضافة.
ولفتت الوثيقة الانتباه إلى أن مصر بدورها تقدم مثالا وضاحا عن ارتباط الأمن بالسياحة، فبعد أحداث 2011 وما تبعها من عدم استقرار سياسي وأمني، عرفت البلاد تراجعا حادا في تدفق السياح، إذ انخفضت المداخيل السياحية من حوالي 12,5 مليار دولار سنة 2010 إلى أقل من 5 مليارات دولار سنة 2013، هذا التراجع لم يمس السياحة وحدها، بل أثر أيضا على قطاعات النقل، التجارة، والخدمات المرتبطة بالسياحة، صحيح أن مصر تمكنت لاحقا من استعادة جزء من مكانتها، لكن التجربة أبرزت أن أي اهتزاز أمني تكون كلفته الاقتصادية والاجتماعية فادحة.
الاستقرار الأمني والاستثمار الصناعي
في هذا الصدد، ذكرت الوثيقة أن المغرب صنف ضمن أفضل 25 دولة في مؤشر الأداء اللوجستي الصادر عن البنك الدولي سنة 2023، وهو إنجاز يعكس تحسن البنيات التحتية وتطور الممارسات اللوجستية في سياق من الاستقرار، وهو ما يحمل أثرا اقتصاديا ملموسا، إذ يساهم في تخفيض تكاليف النقل ويزيد من سرعة وحجم المبادلات التجارية، بما يعزز تنافسية الصادرات المغربية في الأسواق العالمية.
وعلى مستوى الاستثمار الصناعي، أفادت الوثيقة أن الأمن والاستقرار كانا عاملين حاسمين في جذب شركات كبرى مثل "رونو" و"ستيلانتيس"، اللتين اختارتا المغرب كقاعدة للتصنيع والتصدير نحو أوروبا وإفريقيا، فالمغرب لم يكتف بالاستثمار في الموانئ كطنجة المتوسط وموانئ الأطلسي، بل وفر أيضا بيئة آمنة تضمن استمرارية سلاسل التوريد دون انقطاع، حيث تحولت المملكة إلى منصة إقليمية للصناعة والتجارة، وتجاوزت قيمة الصادرات الصناعية عتبة 400 مليار درهم سنة 2023، وهو رقم يبرز المساهمة المباشرة للأمن ضمن عناصر الاستثمار الأخرى على مردودية اللوجستيك والاقتصاد الوطني.
مردودية السياسات الأمنية في المغرب
كشفت تقديرات البنك الدولي، وفقا لما جاء في الوثيقة، أن غياب الأمن يكلف الاقتصادات الهشة ما بين 2 و5 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنويا، ما يشكل هدرا لموارد النمو والتنمية. وعلى سبيل المثال، في حالة المكسيك، تقدر الخسائر الناتجة عن الجريمة المنظمة بأكثر من 50 مليار دولار سنويا، أي حوالي 5 في المائة من ناتجها الداخلي الخام، وهو ما يشل قدرتها على استقطاب الاستثمارات ويمثل عبئا هائلا على المالية العمومية.
وأضافت أن المغرب يظل في وضع أفضل بكثير بفضل معدلات الجريمة المنخفضة نسبيا مقارنة مع دول أمريكا اللاتينية أو بعض الدول الإفريقية، حيث تساهم هذه الوضعية الاستثنائية في تعزيز ثقة المستثمرين والمواطنين، وتنعكس على الأداء الاقتصادي العام من خلال بيئة أعمال أكثر استقرارا وأقل مخاطرة، كما أن المقاربة الأمنية المغربية التي تمزج بين الردع والاستباق تمكن من تجنب خسائر تقدر ما بين 60 و 90 مليار درهم سنويا، كانت ستهدر في حالة انتشار واسع للجريمة المنظمة أو التهريب.
الأمن كرافعة للإنتاجية والتنافسية
في هذا الصدد، أشارت الوثيقة إلى أن الأمن يساهم في تقليص تكلفة الفرصة الضائعة (Opportunity Cost) التي تنتج عن الاضطرابات، فالمجتمع المستقر قادر على ضمان انتظام الخدمات العمومية، ما يرفع الإنتاجية، فاستقرار المغرب يساهم بشكل كبير على بقاء الكفاءات المحلية وجذب كفاءات أجنبية، وهو ما ينعكس على الابتكار والإنتاجية داخل المقاولات.
وأفادت بأن هذا التوجه عززه مؤشر السلام العالمي لسنة 2024، الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام العالمي (IEP) ، حيث حقق المغرب تقدما ملحوظا في سلم مؤشرات السلام العالمية، منتقلا إلى المرتبة 78 عالميا بعد أن كسب ستة مراكز، ما يعد مؤشرا هاما على تحسن مستوى السلام بالمملكة في فترة زمنية قصيرة.
وأضافت أن المؤشر أبرز أن المغرب تمكن من تقليص العبء الاقتصادي للعنف بشكل كبير، حيث أضحى يمثل ما يناهز 7.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يؤكد الثقل الاقتصادي للاستقرار الأمني في المغرب، ويوضح بشكل جلي كفاءة المؤسسة الأمنية وقدرتها على المساهمة الفعالة في ضمان شروط الاستقرار الاقتصادي والتنموي.