في سياق انعقاد الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف ما بين 8 شتنبر الجاري و8 أكتوبر، وما رافقها من نقاشات مكثفة حول مسؤولية المجتمع الدولي في حماية الفئات الهشة ومنها الأطفال، تبرز من جديد قضية الأطفال في مخيمات تندوف كملف إنساني يثير قلقا متزايدا لدى المنظمات الحقوقية والهيئات الأممية.
وفي هذا السياق، حاور "تيلكيل عربي" الناشط الحقوقي والسياسي الإسباني بيدرو إغناسيو ألتاميرانو، رئيس مؤسسة "ألتاميرانو" ، الذي وصف مخيمات تندوف بأنها "مراكز اعتقال غير قانونية"، مؤكدا أن الأطفال هناك يتعرضون لانتهاكات ممنهجة، من التجنيد والحرمان من الجنسية إلى الاستغلال الجنسي والعمل القسري.
وشدد ألتاميرانو على أن هذه الممارسات تشكل خرقا صارخاً للمواثيق الدولية، داعيا المجتمع الدولي إلى تصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية.
ـ في تصريحاتكم السابقة في جنيف، وصفتم مخيمات تندوف بأنها "مراكز اعتقال غير قانونية". كيف تنظرون إلى الوضع الإنساني للأطفال الذين يعيشون هناك؟
إن الاحتجاز غير القانوني هو حرمان من الحرية يتم دون استيفاء الشروط القانونية المقررة، وهو بذلك يشكل انتهاكا للحقوق الأساسية المنصوص عليها في المادة 13 من ميثاق الأمم المتحدة. وكما نوثق في تقاريرنا، فإن اللاجئين في المخيمات يعانون من قيود على حرية التنقل، سواء كانوا بالغين أو أطفالا، وهذا ما يبرر بشكل واضح كون مخيمات تندوف ليست في جوهرها مخيمات لاجئين، وإنما معسكرات اعتقال أو مراكز احتجاز غير قانونية تنتهك فيها بشكل متواصل الحقوق الأساسية للأشخاص.
ـ أشرتم إلى تجنيد الأطفال واستخدامهم عسكريا، ما أبرز الانتهاكات التي ترصدونها بحق هؤلاء الأطفال من منظور حقوق الإنسان؟
القتل، والتشويه، والاختطاف، والعنف الجنسي، والتجنيد في الجماعات المسلحة، والهجمات على المدارس والمستشفيات والمنشآت الحيوية للمياه، جميع هذه الممارسات هي انتهاكات يتعرض لها الأطفال في مناطق النزاع حول العالم بشكل مرعب، وبشكل خاص في مخيمات تندوف.
وفي هذا الصدد، ينص البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة بوضوح على أن ترفع الدول الأطراف الحد الأدنى لسن التجنيد الطوعي في القوات المسلحة الوطنية فوق السن المحدد في الفقرة الثالثة من المادة 38 من الاتفاقية، مع الإقرار بأن الأطفال دون الثامنة عشرة لهم حق الحماية الخاصة.
كما تنص المادة الرابعة بشكل صريح على أن الجماعات المسلحة غير التابعة لدولة لا يجوز لها، تحت أي ظرف، أن تجند أو تستخدم في الأعمال العدائية من هم دون الثامنة عشرة.
وبناء على هذه المقتضيات الدولية، وبالنظر إلى الخروقات المتواصلة لجبهة البوليساريو، يمكن القول بوضوح إن جميع حقوق الأطفال في المخيمات تنتهك بصورة ممنهجة.
ـ تحدثتم عن حرمان الأطفال من الجنسية، ما هي الآثار القانونية والاجتماعية لهذا الحرمان على حياتهم ومستقبلهم؟
تنص المادة 15 من ميثاق الحقوق بوضوح على أن لكل شخص الحق في الجنسية، ولا يجوز حرمان أي شخص منها تعسفا ولا من حقه في تغييرها.
وفي مخيمات تندوف، يعيش الأشخاص هناك فعليا بلا وطن، محرومين من جنسيتهم المغربية، ويفرض عليهم، في حالات كثيرة، جواز سفر جزائري في مخالفة صريحة للحق والقانون.
والأخطر من ذلك أنه حتى عندما يتمكن بعضهم من الحصول على الجنسية الإسبانية وجواز سفر قانوني، يعاملون في المخيمات كمختطفين، حيث تسلب منهم وثائقهم ولا يعترف بجنسيتهم الجديدة.
وتزداد خطورة الوضع بالنسبة للأطفال المشاركين في برنامج "عطلة في سلام"، إذ تستقبلهم أسر إسبانية للرعاية والتربية والاندماج، ويحصل بعضهم على الجنسية الإسبانية، لكن بمجرد عودتهم إلى المخيمات لزيارة عائلاتهم، يحتجزون وتسحب منهم جوازات سفرهم. وهو ما يتركهم بلا حاضر ولا مستقبل، بعد أن جرى انتزاع هويتهم الطبيعية.
كل ذلك يشكل خرقا واضحا لميثاق حقوق الأمم المتحدة، ويمثل جرائم تستوجب العرض على المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يجري حاليا النظر فيه من قبل الدائرة القانونية لمؤسسة "ألتاميرانو" التي أرأسها.
ـ أشرتم إلى حالات استعباد جنسي وعمل قسري للأطفال. كيف يمكن للهيئات الدولية التدخل لحماية هؤلاء الأطفال بفعالية؟
في افتتاح الدورة الستين الحالية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ألقى مفوض الأمم المتحدة السامي الجديد لحقوق الإنسان السيد فولكر تورك خطابا أكد فيه أن ميثاق حقوق الإنسان يجب أن يسمو على الدساتير الاستبدادية والأنظمة الديكتاتورية والحكومات التي لا تحترم الحقوق الأساسية، وأن على المجتمع الدولي أن يتحرك بكل الوسائل المتاحة بموجب واجب الحماية.
وهذا نداء صريح إلى الحكومات والمجتمع المدني كي لا يظلوا صامتين أو سلبيين، بل أن يتحملوا مسؤولياتهم الأخلاقية والإنسانية في التنديد والتدخل حيثما تنتهك هذه الحقوق.
وأعتقد أنه آن الأوان لإعلان جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، وللاعتراف بمخيمات تندوف كمراكز اعتقال غير قانونية، وإلزام الحكومة الجزائرية بوقف دعمها لها.

ـ بحسب متابعتكم، ما العلاقة بين تجنيد الأطفال والجماعات الإرهابية في المنطقة أو إفريقيا، وكيف يمكن مواجهة هذه المخاطر ضمن إطار حقوق الطفل؟
العلاقة واضحة وجلية، فمخيمات تندوف اليوم تعد بمثابة أكاديمية لإعداد أطفال لا كجنود فحسب، بل كإرهابيين محتملين.
بعض قادة التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل، مثل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والجماعات المرتبطة بداعش، هم من الصحراويين الذين جرى تدريبهم منذ الطفولة في هذه المخيمات.
يتعرض هؤلاء الأطفال لبيئة عسكرية مشبعة بالتلقين الإيديولوجي منذ سن مبكرة، وفي ظل غياب التعليم الحر وفرص التنمية والحماية الطفولية، تفتح أمامهم مسارات نحو الإرهاب.
وعندما ينتهي الأمر بطفل كقائد أو مقاتل في جماعة إرهابية، فإن الأمر لا يقتصر على وجود مسؤولية جنائية فردية عند بلوغه سن الرشد، بل يكشف أيضا عن خلل سابق في نظام حماية الحقوق، وهو خلل يتعين منعه منذ البداية عبر المنظمات الدولية.
ـ ما هي التوصيات القانونية والإنسانية التي توجهونها إلى المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان لحماية الأطفال ومنع هذه الانتهاكات؟
التوصيات واضحة وبسيطة: أن يطالب المجتمع الدولي الأمم المتحدة بإلزام الدول الأعضاء بالامتثال الكامل لميثاق الحقوق، وأن تتخذ إجراءات صارمة ضد كل من يخرق هذا الميثاق رغم عضويته في المنظمة، مع إحالة المسؤولين عن تلك الانتهاكات إلى المحكمة الجنائية الدولية.