تجنيد الأطفال بتندوف.. حين تغتال البوليساريو البراءة وتصنع الإرهاب من دموع الأمهات

خديجة عليموسى

في مخيمات تندوف، حيث تعصف الرياح برمال الصحراء وتخنق الصمت الموحش، ترتسم مشاهد قاسية تسلب معنى الطفولة، صغار لم يتجاوزوا الثانية عشرة يساقون قسرا إلى مراكز التجنيد، يحملون بنادق أثقل من أجسادهم الهزيلة، فيما الأمهات يذرفن دموعا مريرة، عاجزات عن انتزاع فلذات أكبادهن من مصير لم يختاروه.

هذه ليست لقطات من فيلم مأساوي، بل واقع مرير يتكرر كل يوم، طفولة تغتال قبل أن تنضج، وأحلام تقتلع من جذورها، ودفاتر مدرسة تستبدل ببنادق الموت، ليجد الصغار أنفسهم أسرى معسكرات لا تعترف بصفاء البداية ولا بالحق في الحياة.

ومع انعقاد الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، ما بين 8 شتنبر الجاري و8 أكتوبر، تطفو إلى السطح قضية تجنيد الأطفال في مخيمات تندوف كجرح إنساني مفتوح ينزف منذ خمسة عقود،  إنها جريمة كاملة الأركان، مرتكبوها قيادة "البوليساريو"، ومسرحها فوق التراب الجزائري، إذ تحولت البراءة إلى سلعة رخيصة في مزاد الانفصال، ورهنت الطفولة في صفقات سياسية بئيسة.

من حضن الأم إلى المعسكر 

قرب ما يعرف اليوم بالمنطقة العازلة بالصحراء المغربية، كانت خيمة صغيرة تنبض بالحياة، هناك،خطا الطفل إبراهيم أعمار خطواته الأولى في حياة بدوية هادئة، بين دفء الأسرة ورحابة الأرض، لحظات البسيطة سرعان ما مزقتها قسوة السلاح، حين تعرضت أسرته لانتهاك غادر بدد ملامح الطفولة، ففي سنة 1981، باغتت ميليشيات البوليساريو خيمة أسرته فوق تراب وطنه، ولم يكن تجاوز الحادية عشرة من عمره، فاختطف وذويه تحت تهديد البنادق واقتيدوا إلى مخيمات تندوف.

يستعيد  أعمار، الكاتب والعائد من جحيم المخيمات، تلك اللحظة بتأثر شديد قائلا في حديثه لـ"تيلكيل عربي" "أول ظلم عرفته في حياتي هو مشاهدة والدتي تبكي بحرقة وهي تجبر على ترك كل ما تملك، لا شيء يفوق ألم الطفل وهو يشاهد والديه يقهران أمام عينيه".

لم تمض أسابيع حتى وجد  نفسه مفصولا عن أسرته، ليلقى به داخل ما سمي بمدارس المخيمات، التي لم تكن سوى مصانع لإنتاج جيل على مقاس قيادة البوليساريو. هناك، كما يروي، "كان يتم تحريضنا على العنف أكثر مما نتعلم الكتابة والقراءة، فالهدف لم يكن الدراسة، بل تعبئتنا ضد وطننا وتدريبنا على السلاح".

ثم جاءت المرحلة الأشد قسوة، بعد عام من الإبعاد، عندما رحل  رفقة ما يقارب مائتي طفل على متن باخرة إلى كوبا، يستعيد تلك المشاهد بصوت تغلب عليه المرارة "قالوا إنها بعثة للدراسة، لكنها في الحقيقة كانت محاولة لغسل أدمغتنا، خمس سنوات كاملة انقطعت فيها عن أهلي، دون أي خبر عنهم. أرادوا أن نصبح ملحدين، وأن نتبنى أفكارا شيوعية غريبة عن ديننا وثقافتنا، لم يكن هناك تعليم عادي، بل تدريبات عسكرية وأشغال فلاحية في العطل، كل ذلك ترك فينا جروحا نفسية عميقة".

وعندما عاد إلى المخيمات بعد تلك السنوات، لم تكن العودة إلى العائلة كما حلم، بل إلى واقع أكثر فظاعة، يقول "لقد أصبحنا ملكية محفظة للبوليساريو، بلا حق في السكن مع أسرنا، وغياب الحنان ترك شرخا غائرا في العلاقة الأسرية، لم نترب في حضن واحد، ولم نعد نشعر  أن هؤلاء هم والدينا حقا".

 خرج أعمار محملا بندوب الطفولة الموجعة، لكنه ظل شاهدا على واقع لم يتغير، وبحسبه فإن "تجنيد الأطفال ما زال مستمرا، فالمخيمات لم تكن سوى معسكر كبير، تصنع فيه ذاكرة العنف وينزع الصغار من عائلاتهم، وكل من تتاح له فرصة الفرار لا يتردد في ذلك".

طفل مدلل.. سلبته دعاية الانفصال

إذا كانت مأساة إبراهيم أعمار شاهدة على الاختطاف المبكر تحت فوهة البنادق، فإن حكاية عبد العزيز بادي تعكس وجها آخر للاستلاب، حين وقع ضحية الدعاية الانفصالية التي تديرها قيادة البوليساريو فوق التراب الجزائري.

نشأ بادي، المزداد سنة 1995 بمدينة العيون، قلب الصحراء المغربية، وسط أسرة ميسورة مستقرة وفرت له كل مقومات الطمأنينة، عاش طفولة عادية بين المدرسة واللعب وأحلام بريئة لا تتجاوز حدود البيت والعائلة، لكنه لم يكن يتصور أنه سيستدرج بخطاب مسموم صور له عدوا زائفا وروج لقضية لا وجود لها.

في حديثه مع "تيلكيل عربي"، يسترجع  بادي تفاصيل رحلته إلى الجحيم  "تبنيت الفكر الانفصالي، وبعد أحداث مخيم أكديم إزيك قررت أن أترك كل شيء خلفي، كان الطيش وشغف الاكتشاف يسيطران علي، وزادتهما الدعاية المضللة التي رسمت لي العالم بصورة مغايرة، ساعدني في ذلك وجود أقاربي بموريتانيا وتندوف، فغادرت العيون".

ويتابع "ما إن وطئت قدماي تندوف لم يكن لدي من خيار سوى التوجه إلى مؤسسة عسكرية تحمل اسم "الولي مصطفى السيد" لم أكن قد تجاوزت السادسة عشرة من عمري، وكان المشهد صادما منذ الوهلة  الأولى، أطفال لا يتجاوزون الرابعة عشرة، بوجوه لم تكتمل فيها بعد ملامح الشباب، يساقون إكراها إلى معسكرات التدريب، كانوا يعاملون كما لو كانوا مجرد أرقام في برنامج عسكري  لا يعرف معنى الرحمة".

ويردف بادي وهو يتذكر  أول صدمة  مازالت عالقة في ذاكرته "حين دخلت أسوار "المدرسة العسكرية"، كان أول ما واجهني هو الحلاقة التقليدية،. في العيون لم أكن أعرف سوى الصالونات الأنيقة وآلات الحلاقة الحديثة، لكن هنا ك كان الأمر مختلفا تماما، أطفال صغار يجلسون في العراء تحت شمس حارقة، تمسك رؤوسهم بقسوة، وتمر شفرة بدائية على فروة الرأس، تترك خدوشا وألما لا يفارقهم".

لم تكن تلك سوى البداية، فقد أدرك بادي أن الطفولة الهادئة التي عاشها في العيون قد انتهت فور دخوله المخيمات، لتبدأ بعدها سلسلة من الصدمات اليومية، كل واحدة أشد قهرا من سابقتها.

ويسترسل بنبرة يختلط فيها الحزن بالندم "كان التدريب العسكري صعبا بلا شفقة، قائما على الوقوف لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، وحمل أثقال تفوق قدرة أجسادنا الهزيلة، وكان الجوع رفيقنا الدائم،  لا أثر للحوم، والدجاج لا يظهر إلا مرة واحدة في الأسبوع. أما المرض،  فلم يكن مبررا للراحة، بل يقابل بالقسوة والازدراء، والتعنيف الجسدي واللفظي كان جزءا من يومياتنا، يمارس تحت شعار زائف اسمه "الانضباط'".

ومع مرور الوقت، وبعد أن حصل على  صفة "إطار عسكري"، بدأ بادي  يدرك حجم الخديعة التي سوقت له، فانهارت الصورة التي رسمها في ذهنه، وتحول من مؤمن بأفكار الانفصال إلى شاهد على فظائع "البوليساريو"، ومعارض لها وفاضح لجرائمها.

عاد بادي إلى المغرب سنة 2017 مثقلا بذاكرة مثخنة بالجراح، فانطفأت ملامح طفولته تحت وطأة الجوع والتدريب العسكري والحرمان، فكان من بين أوائل الذين حركوا ملف "سجن الرشيد"، وكشفوا الانتهاكات الجسيمة  لجلاديه من البوليساريو، ما عرضه لتهديدات صريحة بالقتل، وفق قوله.

ورغم ذلك، اختار أن يواجه الألم بالأمل، فعاد إلى مسقط رأسه بالعيون ليخط بداية جديدة، ويؤسس رفقة صحراويين آخرين "مجموعة السلام والعودة بكرامة" في موريتانيا، مبادرة أراد لها أن تعيد صدى النداء التاريخي للملك الراحل الحسن الثاني "إن الوطن غفور رحيم".

فتيات في الخنادق.. تحضير عسكري لا يرحم

في مخيمات تندوف، لا تنتهي الحكايات عند حدود جيل بعينه، فكل طفل عاش هناك حمل نصيبه من الوجع، واختلفت تفاصيل المأساة باختلاف مسار كل واحد منهم. ومن بين هذه الشهادات الأليمة، تبرز قصة سعداني ماء العينين، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية "كوركاس"، والتي نشأت في المخيمات، وكانت شاهدة على مآس لا تنسى.

في سن التاسعة انتزعت طفولة سعداني بالقوة وهجرت قسرا إلى كوبا لتقضي هناك سبعة عشر سنة كاملة في عزلة تامة عن عائلتها، لم تكن وحدها فقد جرى تهجير مئات الأطفال الآخرين تتراوح أعمارهم بين التاسعة والثانية عشرة تحت ذريعة زائفة اسمها "الدراسة".

كانت الحقيقة كما تكشف سعداني في حديثها لـ"تيلكيل عربي" أبشع تمثلت في غسل ممنهج للأدمغة  وتحضير عسكري قاس في محاولة لتحويل هؤلاء الأطفال إلى أدوات طيعة بيد جبهة البوليساريو يستخدمون لتحقيق أهدافها، محرومين من طفولتهم وحريتهم ومستباحين لإرادتهم.

تتذكر سعداني أن الفتيات وضعن في مدارس مغلقة، وخلال العطل كن يخضعن لما سمي بـ"التحضير العسكري"، إذ يزج بهن في الخنادق، ويلقن تدريبات جسدية، إلى جانب حصص مكثفة في طمس الهوية، مضيفة "كان الهدف واضحا، وهو زرع الحقد والكراهية في عقولنا، وتصوير المغرب وأمريكا كعدوين أبديين لنا".

الطامة الكبرى، وفق ما تحكي سعداني، أن الأمهات لم يكن لديهن أي سلطة على أطفالهن، فقد كانت جبهة البوليساريو تعتبر كل طفل جنديا محتملا، محرمة على الأسر أن تتخذ أي قرار بشأنه،  فكان يجبر على الذهاب  إلى كوبا أو الجزائر أو ليبيا، ليلقى به في أتون تدريبات عسكرية.

قصة سعداني كانت مليئة بالوجع، إذ كانت تكبح دموعها وهي تحكي "بكينا ليالي طويلة، نشأنا بلا حنان أم ولا دفء عائلة، كنت وحيدة، ولم أر أخي ولا أختي إلا سنة 2004 عندما عدت إلى المغرب".

الحياة في كوبا لم تكن دراسة، بل جحيما يوميا، في الصباح دروس، وفي المساء عمل فلاحي وتدريبات بدنية، هدفها إلهاء الأطفال ومنعهم من التفكير أو الحنين. واليوم، كما تؤكد سعداني، يتكرر المشهد ذاته "جيل جديد يعاد إنتاجه بالأسلوب نفسه، أطفال يتحولون إلى قنابل موقوتة، وإلى "روبوتات" مبرمجة على الكراهية".

طفولة على فوهة بندقية

لم تكن المأساة في المخيمات مجرد تفاصيل متفرقة، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى وأد إنسانية الطفولة في مهدها. في هذا المناخ  ولد أحمد محمود مربيه أدا سنة 1979، أحد مؤسسي حركة 5 مارس المعارضة للبوليساريو، وفتح عينيه على خيام مهترئة وواقع عنوانه الجوع والحرمان، فيما قسوة الطبيعة ضاعفت معاناة النساء والأطفال معا.

كان الصغار ينتزعون من أحضان أمهاتهم قبل أن يتجاوزوا سن العاشرة، ويرسلون إلى مدارس في الضواحي، بينما كان أي غياب عن التجمعات يقابل بعقوبات صارمة، المحنة كانت أثقل على الأمهات، يحكي مربيه لـ"تيلكيل عربي"، مؤكدا أن كل يوم في المخيمات كان يترك آثارا نفسية عميقة، ويزرع الخوف والعزلة في نفوس الأطفال، ليصبحوا جزءا من آلة فكرية وعسكرية صممتها جبهة البوليساريو.

 ويضيف مربيه "بدأت التدريبات العسكرية الأولية بمخيمات تندوف، كنا نشهد ممارسات مهينة تشمل التعذيب والضرب بالحزام والسب والشتم، كنا نغذى بأفكار شيوعية، ونربى على خطاب الحقد والكراهية".

واصل مربيه دراسته بين الجزائر وليبيا، وكان برفقته الولي ابن محمد عبد العزيز، الرئيس السابق للبوليساريو، الذي كان يحاول إظهار أنه يعيش نفس الظروف، لكن الفوارق كانت صارخة،  يسترسل مفسرا  "كنا نخدع بشعارات الثورة ونحن مراهقون، وسجلونا رغما عنا  في الجيش بدعوى أننا أبناء جيل الشهداء، بينما أبناء القيادات أنهوا دراستهم في ظروف مريحة، رغم أنني كنت متفوقا عليهم".

في الخامسة عشرة التحق مربيه أدا بالتدريبات العسكرية في الجزائر، لم يكن مجرد فصل من التدريب بل فصل من صناعة العنف، هناك، تحت إشراف مدربين جزائريين من بينهم رجل يذكره باسم "عمي علي" كان يردد أثناء تدريبه على السلاح "اضغط وضعها في رأس المغربي وفي قلبه" ثم يثني عليه بكلمة "برافو" عندما يصيب الهدف، كلمات هدفها غرس بذور كراهية  في نفوس فتيان لم يعرف كثيرون منهم دفء الأسرة أو حنان الوالدين.

خضع مربيه أدا لتدريبات متواصلة على أسلحة فردية مثل الكلاشنكوف والسيمينوف والقنابل العنقودية، وتخرج من دورة في ما يسمى بـ"الدفاع الجوي"، غير أن الأثر الأعمق لم يكن في نوعية التدريب بل في قسوة التجربة اليومية، كما يوضح بقوله "عشنا الجوع والعراء  وسهرات طويلة من التعنيف، وأشرف على تربيتنا وحوش، بلا رحمة ولا شفقة".

مع اندلاع الربيع العربي سنة 2011، أسس مربيه أدا حركة 5 مارس لمناهضة قيادة البوليساريو، غير أن نشاطه الحقوقي كلفه ثمنا باهظا، فقد اختطفته المخابرات الجزائرية سنة 2014 وخضع للتعذيب، قبل أن يسلم للبوليساريو، ولم يفرج عنه إلا بعد أن أجبر، تحت الابتزاز وتهديد سلامة والدته، على الإدلاء بتصريحات كاذبة، الأمر الذي دفعه إلى الفرار نحو موريتانيا ومنها إلى المغرب.

وفي سنة 2015 رفع مربيه شكاية إلى الأمم المتحدة ضد الجزائر بسبب ما تعرض له من تعذيب، فروى فيها قصة تجنيده طفلا، وفي سنة 2022 صدرت توصية تطالب الجزائر بتعويضه، غير أنها بقيت دون تنفيذ، ويقول مربيه بأسى "ما عشناه في المخيمات يشبه مآسي غزة الآن، إنه الجحيم".

ويشدد مربيه على أن الوقت قد حان  لإنهاء هذا الملف، لأن واقع المخيمات صادم، لا يترك أمامك سوى خيارين مرين  إما أن تتحول إلى إرهابي أو أن تنخرط في شبكات التهريب وتجارة المخدرات".

الطفولة المسروقة… مصنع أشباح الإرهاب

يتذكر مربيه أدا صديقا له يدعى عدنان أبو الوليد الصحراوي،  الذي صاحبه سنتي 2009 و2010، قائلا "لقد كان فريسة سهلة للارتماء في أحضان الإرهاب، لأنه هو الآخر خضع للتجنيد في الطفولة، ومن بين 75 من معارفي وأصدقائي في المخيمات، التحقو جميعا بتنظيم القاعدة".

كان  أبو الوليد الصحراوي أحد أبرز الأمثلة على هذا المسار المأساوي، فقد أصبح المتحدث باسم حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، قبل أن ينشق سنة 2013 ليؤسس جماعة "المرابطون". وفي ماي 2015 أعلن ولاءه لما يسمى "داعش" ونصب نفسه أميرا للجماعة في مالي.

قاد أبو الوليد مجموعات من بينهم أفراد من أصول صحراوية، بحسب  ما ورد في تقارير الأمم المتحدة، ونفذ هجمات استهدفت قوات الأمن في النيجر وبعثة الأمم المتحدة، أبرزها هجوم تونغو تونغو سنة 2017، الذي قتل فيه أربعة جنود  أمريكيين وخمسة نيجريين، وفي سنة 2021 أكدت تقارير مقتله، لتطوى صفحة أحد أخطر الوجوه الإرهابية التي خرجت من مخيمات تندوف.

غير أن الخطر، كما يحذر مربيه، لم ينته بعد،  فالمسار الذي قاد صديقه من التجنيد طفلا إلى الإرهاب لا يزال قائما، ليبقى شبح أبو الوليد الصحراوي ماثلا كتحذير صارخ من مستقبل يبنى على أنقاض الطفولة المغتصبة.

8000 طفل ضحية

هذه الشهادات الأليمة لا تكتفي بسرد معاناة شخصية، بل تميط اللثام عن جريمة ممنهجة ذات أبعاد دولية، تثبت تورط جبهة البوليساريو ومن يدعمها في خرق اتفاقيات حماية الطفل، وتهتك بفظاعة المواثيق الأممية لحقوق الإنسان.

وفي هذا السياق يؤكد مولاي لحسن ناجي، رئيس الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في شمال إفريقيا، والكاتب العام للمركز الدولي للأبحاث حول الوقاية من تجنيد الأطفال، أن القانون الدولي منح الأطفال حماية خاصة، وأن تجنيدهم ممنوع بموجب اتفاقية حقوق الطفل وميثاق الاتحاد الإفريقي لحقوق ورفاهية الطفل، كذلك بموجب نظام المحكمة الجنائية الدولية، لافتا إلى أن هناك إجماعا على أن التجنيد الإجباري هو جريمة ضد الإنسانية، وهو إجبار الأطفال على ممارسة عمل شنيع واستخدامهم من طرف الجماعات المسلحة.

إذا كان الرأي القانوني يضع ما يحدث في تندوف في خانة الجرائم الدولية، فإن الحاجة برزت إلى مبادرات عملية تؤطر هذا التوصيف وتمنحه قوة مؤسساتية. وفي هذا الإطار، أحدث المغرب سنة 2022 بمدينة الداخلة المركز الدولي للأبحاث حول الوقاية من تجنيد الأطفال، كآلية تهدف إلى رصد الانتهاكات وتوثيقها، والتحسيس بمصير الضحايا، وكشف الأسباب التي تغذي استمرار هذه الجريمة.

ورغم حداثة تأسيسها، تمكنت هذه المؤسسة من تلقي عدد من الشكايات الموثقة من عائلات تقيم في مخيمات تندوف سنة 2024،  ويؤكد الكاتب العام للمركز لـ"تيلكيل عربي" أن هذه الأسر تواصلت مباشرة مع المؤسسة وأدلت بشهادات رسمية تفيد بأن أبناءها جرى تجنيدهم قسرا في سن مبكرة، وتترواح أعمارهم ما بين 14 و16 سنة.

وجرى توثيق هذه الشهادات وتقديمها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة باسم المركز، مع الحرص على عدم الكشف عن هويات الأطفال وأسرهم حفاظا على سلامتهم.

ويوضح  ناجي أن هذا يعكس استمرار الظاهرة من قبل جماعات مسلحة في تندوف، على غرار ما يحدث في بؤر توتر أخرى بمنطقة الساحل والصحراء وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يجعل من هؤلاء الأطفال مشاريع تهديد حقيقي للأمن والاستقرار في إفريقيا.

وأشار إلى أن مسؤولية الجزائر تظل مضاعفة، باعتبارها الدولة الحاضنة للبوليساريو فوق أراضيها، والداعمة لها سياسيا ولوجستيكيا. فالمجتمع الدولي لا يعترف بالبوليساريو، ما يجعل الجزائر مسؤولة بشكل مباشر عن وجودها، ومسؤولة بشكل غير مباشر عن استغلال الأطفال وتجنيدهم، وهو ما يرتب عليها التزامات تاريخية وقانونية أمام المنتظم الدولي.

ويكشف الكاتب العام للمركز الدولي للأبحاث حول الوقاية من تجنيد الأطفال عن تسجيل حوالي 8000 حالة تجنيد لأطفال من مخيمات تندوف ما بين سنتي 1982 و2020، وفقا لتقارير صادرة عن منظمات دولية أجرت دراسات ميدانية معمقة وقدمت معطيات دقيقة تؤكد هذه الأرقام الصادمة.

منظمات دولية تتصدى

هذه الوقائع لم تمر دون صدى دولي، إذ تحركت منظمات حقوقية عبر العالم للتصدي لهذه الانتهاكات، فمن خلال البحث في بيانات مجلس حقوق الإنسان بجنيف، التابع للأمم المتحدة، يظهر جليا أن دوراته منذ تأسيسه، لم تخل من طرح ملف تجنيد الأطفال بمخيمات تندوف من لدن جمعيات حقوقية تحدثت بمختلف اللغات ودقت ناقوس خطر استمرار الانتهاكات الصارخة في حق الطفولة في تلك المخيمات.

ومن هذه الجمعيات، تبرز مؤسسة ألتياميرانو، والتي يرأسها الحقوقي والسياسي الإسباني بيدرو إغناسيو ألتاميرانو، الذي أكد أن "القتل، والتشويه، والاختطاف، والعنف الجنسي، والتجنيد في الجماعات المسلحة، والهجمات على المدارس والمستشفيات والمنشآت الحيوية للمياه، جميعها انتهاكات يتعرض لها الأطفال في مناطق النزاع حول العالم بشكل مرعب، وبشكل خاص في مخيمات تندوف".

وأوضح ألتاميرانو، في حديث خص به موقع "تيلكيل عربي"، أن سكان مخيمات تندوف يعيشون فعليا بلا وطن، بعد أن حرموا من جنسيتهم المغربية، ويفرض عليهم، في عدد من الحالات، حمل جوازات سفر جزائرية، وهو ما اعتبره "مخالفة صريحة للحق والقانون، وخرقا واضحا لميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان"

وأكد أن هذه الانتهاكات تستوجب الإحالة على المحكمة الجنائية الدولية، مشيرا إلى أن الدائرة القانونية لمؤسسة "ألتياميرانو"، التي يتولى رئاستها، تدرس حاليا الملف تمهيدا لرفعه إلى الجهات الدولية المختصة.

وقال ألتاميرانو "أعتقد أنه آن الأوان لإعلان جبهة البوليساريو منظمة إرهابية، وللاعتراف بمخيمات تندوف كمراكز اعتقال غير قانونية، وإلزام الحكومة الجزائرية بوقف دعمها لها". وزاد "العلاقة واضحة وجلية، فمخيمات تندوف اليوم تعد بمثابة أكاديمية لإعداد أطفال لا كجنود فحسب، بل كإرهابيين محتملين".

وأشار إلى أن بعض قادة التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل، مثل القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والجماعات المرتبطة بداعش، هم من الصحراويين الذين جرى تدريبهم منذ الطفولة في هذه المخيمات.

السياسي والحقوقي الإسباني نبه إلى أن الأطفال في مخيمات تندوف يتعرضون منذ سن مبكرة للعيش في بيئة عسكرية مشبعة بالتلقين الإيديولوجي، وأضاف أنه "وفي ظل غياب التعليم الحر وانعدام فرص التنمية، وافتقارهم إلى الحماية الطفولية، تنفتح أمامهم مسارات خطيرة نحو الإرهاب".

واسترسل قائلا ""عندما ينتهي الأمر بطفل كقائد أو مقاتل في جماعة إرهابية، فإن الأمر لا يقتصر على وجود مسؤولية جنائية فردية عند بلوغه سن الرشد، بل يكشف أيضا عن خلل سابق في نظام حماية الحقوق، وهو ما  يتعين منعه منذ البداية عبر المنظمات الدولية".

في قلب البرلمان الأوروبي

ولم يقتصر التحرك على المنظمات الحقوقية، بل امتد إلى المؤسسات التشريعية في أوروبا التي فتحت الملف داخل أروقتها، بمراسلة من "تيلكيل عربي" للبرلمان الأوروبي، تم الوصول إلى مجموعة من بيانات الأسئلة البرلمانية المتعلقة بتجنيد الأطفال من طرف جبهة البوليساريو.

ورغم تعدد الأسئلة المرتبطة بهذا الملف، إلا أن أبرزها سؤال وجهه أربعة نواب أوروبيين، من دول مختلفة، يوم  19 مارس 2021 إلى الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، هذا السؤال وضع قضية تجنيد الأطفال في قلب النقاش الأوروبي، مطالبا المفوضية بمساءلة الجزائر والبوليساريو حول الممارسات التي توثق إشراك قاصرين في الاستعراضات العسكرية.

النواب الموقعون على السؤال ينتمون إلى دول أوروبية مختلفة، ويتعلق الأمر بكل من إلهان كيوشيو (Ilhan Kyuchyuk) من بلغاريا، نيكولاي شتيفانوتسا (Nicolae Ştefănuță) من رومانيا، وهو نائب رئيس البرلمان الأوروبي، أوليفييه شاستيل (Olivier Chastel) من بلجيكا، ودومينيك ريكيه (Dominique Riquet) من فرنسا.

وأكد هؤلاء البرلمانيون في سؤالهم أن آليات الأمم المتحدة توصلت مرارا بتقارير تدين تجنيد الأطفال من طرف البوليساريو، مشيرين إلى صور ومقاطع فيديو نشرت عبر وسائل إعلام أظهرت أطفالا بعمر الثانية عشرة والثالثة عشرة يرتدون الزي العسكري في عروض على الأراضي الجزائرية.

هذا الاصطفاف البرلماني العابر للحدود منح الملف بعدا أوروبيا واضحا، وأكد أن تجنيد الأطفال في تندوف لم يعد شأنا يخص المغرب وحده، بل قضية تمس صورة الاتحاد الأوروبي والتزاماته الجوهرية في حماية حقوق الإنسان.

ولم تقتصر إثارة هذا الملف على أعضاء البرلمان الأوروبي، بل امتدت إلى عدد من البرلمانات الوطنية، من بينها البرلمان البلجيكي، حيث وجه النائب ميشال دو ماجد (Michel De Maegd)،   سؤالا إلى نائبة رئيس الوزراء ووزيرة الشؤون الخارجية البلجيكية، تناول فيها قضية تجنيد الأطفال في مخيمات تندوف من قبل جبهة البوليساريو، وذلك يوم 20 أبريل 2021.

السؤال، الذي سجل تحت الرقم 274 بمحاضر البرلمان، أثار المخاوف من انتهاكات خطيرة لحقوق الطفل في هذه المخيمات الواقعة جنوب الجزائر، مشيرا بدوره إلى تقارير وصور سبق أن نشرتها منظمات دولية ووسائل إعلام أجنبية، توثق إشراك قاصرين في الاستعراضات والتدريبات العسكرية.

وطالب النائب البلجيكي الحكومة بتقديم توضيحات بشأن معطيات الاتحاد الأوروبي المرتبطة بهذه الانتهاكات، وكذا الإجراءات الممكن اتخاذها لضمان التزام الجزائر بواجباتها الدولية في مجال حماية حقوق الطفل.

الإرهاب وجبهة البوليساريو

من بين المداخل الجوهرية لإنهاء معاناة الأطفال المجندين في مخيمات تندوف، يبرز مطلب تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية، لاسيما في ظل الدعوات المتزايدة داخل هيئات تشريعية دولية لاعتماد هذا التوجه.

ففي الولايات المتحدة، لم يعد النقاش يقتصر على توصيات أو بيانات، بل تجسد في مشروع قانون قدمه النائبان جو ويلسون (Joe Wilson ) وجيمي بانيتا (Jimmy Panetta) يوم 24 يونيو الماضي، يدعو إلى تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية أجنبية، في خطوة تستهدف محاسبة الجبهة على ممارساتها وتحميلها مسؤولية زعزعة السلم والأمن العالميين.

وفي بريطانيا، انكشفت صورة أكثر قتامة لما يجري داخل مخيمات تندوف، ففي جلسة نقاش احتضنتها قاعة ويستمنستر هول التابعة لمجلس العموم يوم 8 ماي 2024، كشف النائب البريطاني دانييل كاوزنسكي (Daniel Kawczynski) عن محاضر محادثات صوتية توصل بها، توثق حث أعضاء من جبهة البوليساريو مقاتلات شابات على زرع قنابل في مدينة الداخلة، وهي المعطيات التي سجلت رسميا في محاضر البرلمان البريطاني (Hansard).

وفي فرنسا، أحيت النائبة هيلين لابورت (Hélène Laporte) هذا الملف مجددا أمام الجمعية الوطنية، عبر سؤال إلى وزارة أوروبا والشؤون الخارجية بتاريخ 27 ماي 2025، وفق ما ورد في الجريدة الرسمية للجمهورية الفرنسية رقم 7086، فتساءلت حول تورط جبهة البوليساريو في إرسال مقاتلين من تندوف إلى سوريا سنة 2012 بتنسيق مع الجزائر، حيث خضعوا لتدريبات عسكرية تحت إشراف إيراني وبتمويل من "حزب الله".

إن التحركات التشريعية والبرلمانية في واشنطن ولندن وباريس تؤشر إلى أن الوقت قد حان لوضع جبهة البوليساريو على لوائح الإرهاب، فحينها لن ينظر إلى تجنيد الأطفال في تندوف كخرق صارخ للمواثيق الدولية فحسب، بل كمنظومة مفتوحة لتغذية التنظيمات المتطرفة بالمقاتلين.

صرخة أم

من جنيف إلى بروكسيل، وإلى مختلف بلدان العالم، تتنقل قضية تجنيد الأطفال بتندوف بين تقارير أممية وأسئلة برلمانية ومشاريع قوانين، لتؤكد أن العالم يعرف، يسمع، ويمتلك الأدلة، ومع ذلك، يظل المشهد في المخيمات كما هو أطفال بزي عسكري تصادر طفولتهم، وأمهات يحرمن من فلذات أكبادهن.

لا شيء أوجع من أن ينتزع طفل من حضن أمه عنوة، تلك الصورة وحدها كفيلة بأن تهز الضمائر، فهي لا تحتاج إلى وثائق أو أدلة إضافية لإثبات جرائم البوليساريو، بل إلى يقظة إنسانية تتحرك قبل أن تغتال طفولة أخرى.

في شهادة لأم مجند سابق في البوليساريو، فضلت عدم الكشف عن هويتها، روت أنها عاشت تجربة من أقسى ما يمكن أن تواجهه أم حين كانت ترى جبهة البوليساريو ينتزعون الأطفال من أحضان أسرهم بحجة الدراسة ثم يحشرونهم مثل البهائم داخل شاحنات متهالكة  تقودهم نحو المجهول".

 تقول هذه السيدة الصحراوية، المقيمة  في موريتانيا، في تصريح لـ"تيلكيل عربي" إن "الأمهات كن يرافقن أبناءهن حتى نقطة الانطلاقة وما إن تتحرك الشاحنات حتى يتعالى البكاء والنواح ويسقطن أرضا مغشيا عليهن من هول الفاجعة". وتضيف أن ذلك المشهد ظل جرحا غائرا في ذاكرتها وذاكرة أمهات كثيرات خطف منهن فلذات أكبادهن في لحظة عجزن فيها عن المقاومة أو الاعتراض.

ويبقى السؤال الذي يوخز الضمائر ما قيمة القوانين والقرارات إن لم تترجم إلى حماية حقيقية؟ وإلى متى سيبقى العالم يتبادل البيانات بينما في تندوف أم تنام على وسادة من خوف، وتستيقظ على صرخة ابن اغتيلت براءته؟