رفضت المحكمة الوطنية الإسبانية جميع طلبات الاستئناف التي تقدمت بها هيئات الدفاع عن ثلاثة من الموقوفين في إطار ما يعرف بـ«عملية هاديس»، وهي واحدة من أكبر القضايا التي هزّت الأجهزة الأمنية الإسبانية بعد الكشف عن نفق سري يربط المغرب بمدينة سبتة المحتلة، استُخدم لتهريب كميات ضخمة من الحشيش إلى التراب الإسباني والأوروبي.
القضية التي فجرتها وحدة مكافحة المخدرات في الحرس المدني الإسباني كشفت عن بنية إجرامية شديدة التنظيم تمتد جذورها بين المغرب وسبتة وميناء الجزيرة الخضراء، وتضم عناصر أمنية ووسطاء لوجيستيين ومسؤولين محليين.
وبحسب ما أوردته صحيفة El Faro de Ceuta، فإن المحكمة اعتبرت أن هناك «أدلة قوية» على تورط الموقوفين في منظمة إجرامية منظمة وهرمية لها امتدادات دولية وقدرة على نقل كميات ضخمة من المخدرات باستخدام الشاحنات والمنشآت تحت الأرض.
وخلال التحقيقات، عثرت الشرطة الإسبانية على مخابئ سرية وأنظمة لوجيستية متطورة في كل من سبتة والجزيرة الخضراء، صُممت لتجاوز المراقبة الحدودية. وتعتقد النيابة أن الشبكة استفادت من علاقات داخل المؤسسات العمومية المحلية، ما أتاح لها العمل بدرجة عالية من الإفلات من العقاب.
ومن بين المتهمين الذين رُفض طلبهم للإفراج المؤقت عنصر في الحرس المدني، أوقف بداية العام الجاري. محاميه أكد أن موكله لم تُسجل ضده أي مكالمات أو رسائل تدينه، ولا توجد أدلة مباشرة تربطه بالشبكة، كما أشار إلى معاناته من مشاكل صحية.
غير أن المحكمة شددت في قرارها على أن خطر فراره ما زال قائما بالنظر إلى الطابع الدولي للشبكة، وأن علاقاته الشخصية أو العائلية لا تكفي لضمان مثوله أمام العدالة. وأشارت إلى وجود مؤشرات قوية على تورطه في جرائم تهريب المخدرات والرشوة، التي قد تصل عقوبتها إلى عشر سنوات سجنا.
أما المتهم الثاني، الذي رُفض طلبه هو الآخر، فيُشتبه في كونه العقل المدبر للجانب اللوجيستي للشبكة، حيث كان يشرف على تخطيط وتنفيذ عمليات تهريب الحشيش من المغرب نحو شبه الجزيرة الإيبيرية عبر ميناء الجزيرة الخضراء.
ووفقاً للنيابة العامة، فإن دوره كان «أساسياً ولا غنى عنه» في نجاح العمليات، إذ كان ينسق الجهود ويتولى حل المشكلات التشغيلية التي تواجه الشبكة، ما جعله عنصراً محورياً في «شركة إجرامية منظمة» تعمل بأسلوب مؤسسي.
اكتشاف النفق السري
نقطة التحول في التحقيق جاءت عندما عثرت قوات الحرس المدني على نفق سري بعمق 12 متراً، يبدأ من مستودع يُستخدم لتخزين المخدرات في سبتة ويمتد تحت الحدود نحو الأراضي المغربية.
هذا الاكتشاف أحدث صدمة في الأوساط الأمنية والسياسية الإسبانية، ودفع السلطات إلى تكثيف تحرياتها بشأن البنية التحتية السرية التي تستخدمها شبكات التهريب في منطقة مضيق جبل طارق. وتعتقد التحقيقات أن إنشاء النفق تطلّب خبرات هندسية ومساعدة محلية، ما يعزز فرضية وجود تواطؤ داخلي.
أما على الجانب المغربي، فإن التحقيق متوقف منتظرا الوصول إلى المشتبه به الرئيسي، وهو في حال فرار منذ اكتشاف النفق.
شبكة تتجاوز الحدود
تشير وثائق المحكمة إلى أن التحقيق لا يزال مستمرا، وأن درجة تورط كل متهم ستتضح أكثر مع تقدم البحث. إلا أن كل المعطيات تؤكد وجود شبكة متطورة قادرة على الجمع بين الفساد المؤسسي والتهريب السري واللوجستيك عالي المستوى، لتهريب كميات هائلة من الحشيش من المغرب إلى أوروبا.
وتُعد «عملية هاديس»، التي سميت بهذا الاسم تيمناً بإله العالم السفلي في الميثولوجيا اليونانية، من أكبر الضربات التي وجهتها إسبانيا لشبكات التهريب في السنوات الأخيرة، وتكشف عن تطور غير مسبوق في أساليب التهريب التي لم تعد تقتصر على البحر والبر، بل باتت تشمل أيضا «الأنفاق تحت الحدود».