مازري الحداد*
من لا يعرف التاريخ يعيشه من جديد (كارل ماركس)
في وقت ما من حياتي، وخصوصًا بين عامي 2011 و2013، كان لديّ أصدقاء جزائريون أكثر من التونسيين، إذ كان هؤلاء يلومونني على إدانتي لما يُسمّى «بثورة الياسمين» وكشفي للوجه الخفي لـ«الربيع العربي» المزعوم. كثير من أولئك الأصدقاء الجزائريين غادرونا منذ ذلك الحين، ومن بينهم الراحلون الذين لا يُنسَون: خصوصا سيد أحمد غزالي، وخالد نزار، ومؤخرًا أحمد طالب الإبراهيمي رحمهم الله. أمّا الذين ما زلت أعدّهم من أصدقائي، وهم ليسوا بالضرورة سياسيين، فربما سيفاجَؤون عند قراءتهم لهذه المقالة، وربما حتى يُصابون بخيبة أمل. أرجو ألاّ يلوموني على طبعهم ووجدانهم وعلى ما هم عليه: أي على وطنيتي وتشبّثي إلى أقصى الحدود باستقلال وسيادة تونس. ريجيس دوبريه هو القائل سنة 1978: «لا بأس إن كانت كلماتي ستُؤذي… لا يهم، فالأفضل أن تُبغَض من الذين تُحبّهم على أن تُضطرّ إلى بغضهم بنفسك».
ومقالتي هذه لا تستهدف الشعب الجزائري الشقيق، ولا نخبه الفكرية أو السياسية، ولا حتى النظام الجزائري بحد ذاته. أنا لا ألومهم على دفاعهم عن مصالح بلادهم، مهما كانت الوسائل المستخدَمة في ذلك موضع اعتراض أو إدانة. إنّما أوجّه اللوم إلى أبناء وطني الذين لا يدافعون عن شرف وكرامة وسيادة بلدهم، كما كان يفعل أجدادهم من قبل. وبشكل أدق، ألوم أولئك الذين يعلمون الحقيقة لكنهم صامتون — عن جبن، أو تراخٍ، أو استسلام، أو خيانة. أمّا الذين كانوا يجهلون، فهم اليوم باتوا يعلمون.
من الحماية الفرنسية.....
قرب قرنٍ ونصف مضى على توقيع معاهدة باردو، المعروفة أيضًا باسم معاهدة قصر السعيد (!) والتي وُقّعت في 12 مايو 1881 بين الصادق باي، حاكم تونس آنذاك، ووزيره الأول مصطفى بن إسماعيل، والقنصل الفرنسي تيودور روستان، والجنرال بريار. وقد وصفت هذه المعاهدة بأنها «نموذج في الإيجاز بعشر بنودها» ( كتاب منصور معلى، الدولة التونسية والاستقلال، 1992، ص. 75)، واستُكملت باتفاقية المرسى في 8 يونيو 1883، التي كرّست رسميًا وضع الإيالة التونسية تحت الوصاية الفرنسية. السبب الذي قدمته القوة الاستعمارية الفرنسية آنذاك كان «تهدئة» وتأمين الحدود التونسية-الجزائرية، بعد توغلات قبائل خمير في الأراضي الخاضعة للسيطرة الفرنسية، إذ كانت الجزائر منذ عام 1830 مستعمرة فرنسية.
وفي أعقاب توقيع المعاهدة، صرّح جول فيري، رئيس مجلس الوزراء الفرنسي آنذاك، قائلًا:«يجب أن تكون تونس تحت تبعيتنا ما دامت لم تستحق ثقتنا وصداقتنا.» ولم يكن فيري يتحدث بعد عن «حماية» بالمعنى المعهود، بل وصفها بأنها «معاهدة سلام» أو «معاهدة ضمان» تهدف إلى حماية المستعمرة الجزائرية من «اللصوص والهمج» من قبائل خميرالتونسية. الىهذه الصيغة الجديدة من الاستعمار، التي كان الإنجليز قد سبَقوا إلى تطبيقها(indirect rule)، أُعطيت تسمية جميلة بل و«لطيفة» نوعًا ما: الحماية (protectorat)، وهي الصيغة نفسها التي ستُطبَّق لاحقًا على المغرب سنة 1912. ولم يكن المقصود منها «غزو بلدٍ ما، أو ضمّه أو استيعابه»، بل، كما يقول كلود فرانك في مجلة الدفاع الوطني (العدد 823، باريس، 2019):«إنّ الغاية من نظام الحماية هي أن تمارس القوة الحامية، بالاعتماد على الهياكل القائمة والنخب المحلية، السلطة باسم الدولة المحمية، فتُحكِم السيطرة على إدارتها بينما تعمل في الوقت ذاته على تدعيم سلطة الحكم المركزي القائم فيها».
أما في القانون الدولي، فـ«نظام الحماية هو نظام قانوني يُحدَّد عادة بمعاهدة دولية، بموجبه تمارس دولة قوية –مقابل حمايتها– نوعًا من السيطرة على دولة أخرى، فتتولى شؤونها الخارجية وأمنها، وأحيانًا جزءًا من إدارتها الداخلية، مع احتفاظ الدولة المحمية بشخصيتها الدولية الشكلية». غير أنّ المؤرخ الشهير شارل-أندريه جوليان قال في كتابه البارز هكذا أصبحت تونس مستقلة: «على الرغم من إنكار النظام الاستعماري لفظيًا، إلا أنّ هذه الحالة كانت تشبه إلى حدّ بعيد عملية ضمٍّ لا يُصرّح باسمها».
وعلى عكس التبريرات القانونية والإيديولوجية التي عادت إلى الواجهة في تونس خلال السنوات الأخيرة — بما في ذلك على لسان من أصبح رئيسًا لها، في مقابلته المؤسفة والمضحكة على قناة فرانس 24 بتاريخ 23جوان 2020 — فإنّ الواقع الفعلي لا يُظهر أيّ فرق جوهري بين نظام الحماية والاستعمار المباشر.
ففي واحدة من أوائل الدراسات في القانون الدولي حول نظام الحماية، كتب الأستاذ البارز من جامعة بوردو فرانس ديسبانيه في كتابه دراسة حول أنظمة الحماية (1896):«يبدو لنا نظام الحماية كنوعٍ من الغزو المعنوي، يسبق ويبرّر لاحقًا الغزو المادي، أي عملية الضمّ الصريحة والبسيطة.»نعرف جميعًا ما جرى بعد ذلك: خمسة وسبعون عامًا من الوجود الاستعماري الفرنسي في تونس، واجهها التونسيون تارةً بالمقاومة السياسية التي قادها الوطنيون الدستوريون، وتارةً أخرى بالكفاح المسلح، إلى أن افتكت تونس استقلالها في 20 مارس 1956، بقيادة «المجاهد الأكبر» الحبيب بورقيبة.
لقد قيل عن ذلك الاستقلال — حتى من قبل بعض التونسيين، ومن بينهم من يشغل اليوم منصب الرئاسة، مستعيدًا السفسطائية اليوسفية — إنه استقلال غير مشرف، «ناقص» أو «ملوَّث»، لأنه تحقق عبر مسار قانوني-تعاقدي على مرحلتين: الاستقلال الداخلي في 3 يونيو 1955، ثم الاستقلال «الشكلي» المعلن في 20 مارس 1956. وذلك على النقيض من السردية الوطنية الجزائرية التي تصف استقلال الجزائر بأنه «نقي»، «ثوري» و«تام»، لأنه انتُزع بثمن مليون شهيد. ولا شكّ أن هذا صحيح من حيث واقعه ورمزيته، لكن كما يُقال: حتى الذهب، مهما بلغ نقاؤه، لا يكون خالصًا مئة بالمئة!
بالفعل كان آخر جندي فرنسي غادر التراب التونسي هو الأميرال فيفييه في 15 أكتوبر 1963، بعد معركة بنزرت سنة 1961، التي اعتُبرت آخر حروب التحرير التونسية.أما في الجزائر، فقد كان آخر فوج عسكري فرنسي يغادر البلاد هو ذاك المتمركز في القاعدة الجوية ببوسفر، وكان ذلك في أبريل 1971 في عهد الرئيس هواري بومدين — وهي السنة نفسها التي شهدت تأميم المحروقات في الجزائر.
ومن المشاهد الرمزية البليغة: في 12 مايو 1964 — في التاريخ نفسه الذي وُقِّعت فيه معاهدة باردو سنة 1881 — وفي الوقت الذي كانت فيه فرنسا تدشن قاعدتها الجوية في بوسفر قرب وهران، أي بعد عامين فقط من استقلال الجزائر رسميًا (1962)، كان بورقيبة يوقّع على مرسوم تأميم الأراضي الزراعية، وذلك على نفس الطاولة الصغيرة (الغِريْدون) التي وُقّعت عليها معاهدة باردو نفسها وهو مشهد كثيف الرمزية، كأنه دائرة تاريخية تُغلق بعد 83 عامًا من التبعية لتُعلن عودة السيادة الوطنية على الأرض التونسية بأيادي تونسية.
*من مواليد سنة 1961، مازري الحداد هو فيلسوف ودبلوماسي وسياسي تونسي ذو توجه بورقيبي راديكالي. عارض نظام بن علي لفترة طويلة (1989-2000)، ثم أصبح أحد مستشاريه في الظل (2002-2008)، قبل أن يُعيَّن سفيرًا لتونس لدى منظمة اليونسكو (2009-2011).
يحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون، وحاصل على إجازتين في التاريخ المعاصر وعلم الاجتماع، وهو من أوائل وأندر المرشحين المسلمين الذين نالوا تأهيل الجامعة الفرنسية كـ«محاضر في علم اللاهوت الكاثوليكي».
يُعَدّ الدكتور مازري الحداد من أبرز المدافعين عن الحوار بين الأديان، وصديقًا مقرّبًا جدًا من المهدي المنجرة ومحمد أركون. نشر بالفرنسية كتابًا بعنوان «من أجل إسلام السلام» (2001) بالاشتراك مع مالك شبال. ومن أشهر مؤلفاته أيضًا « لن تدمر قرطاج (2002) و«معركتي ضد الإسلاموية وأغبيائها النافعين» (2022).
أما آخر كتبه في الجغرافيا السياسية فقد خُصِّص للصراع الروسي-الأمريكي، تحت عنوان «من صدام الحضارات إلى الحرب بالوكالة» (2023)، وقد كتب مقدمته الوزير الفرنسي للخارجية السابق أوبير فدرين
تنسيق وإعداد المقال للنشر: محمد زيتوني