مازري الحداد*
من لا يعرف التاريخ يعيشه من جديد (كارل ماركس)
...الى الحماية الجزائرية
الشخص الذي جسّد، ببطولةٍ نادرة، نضال تونس من أجل الاستقلال، ثم قاد بحنكة وببراعة مشروع بناء الدولة الوطنية، قال يومًا ما معناه: «إذا حدث، لا قدر الله، أن تعود تونس لتعيش من جديد ظلمات الاستعمار، فلن يكون ذلك بسبب الآخرين، بل بسبب أبنائها أنفسهم.»وكان دائما يُحذّر أيضًا في توجيهاته قائلاً:«تذكّروا كلماتي هذه بعد رحيلي: لا تسقطوا في الفرقة، لأنّ الأمة حينها ستتشتت وتتفكك، وسيفقد الدولة هيبتها، وسنصبح فريسةً لدولٍ أخرى، وسنعود إلى ما كنا عليه قبل عهد الحماية.»منذ السابع من أكتوبر الماضي، تتردّد كلمات بورقيبة هذه كقدرٍ نبوئي ثقيل.ألم يقل أكبر كتّاب المآسي الإغريقية، إسخيلوس، إنّ: «الآلهة تُعين أولئك الذين يتآمرون على هلاكهم»؟
ففي 7 أكتوبر 2025، وفي الجزائر العاصمة تحديدًا، وقّع وزير الدفاع التونسي، خالد سهِيلي، الديبلوماسي السابق مع الجنرال الجزائري القوي سعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي منذ عام 2019، اتفاقًا للتعاون العسكري والأمني.ووفقًا لبيان وزارة الخارجية الجزائرية، فإنّ الاتفاق يشكّل «مرحلةً فارقة في تاريخ العلاقات بين البلدين» وخطوة كبرى نحو تعزيز التعاون العسكري بينهما».
باستثناء مجموعة صغيرة من الجنرالات الذين استمالهم قيس سعيّد لضمان بقاء سلطته المطلقة وغير القانونية وغير الشرعية، لا أحد في تونس يعرف محتوى هذا الاتفاق الغامض والمفاجئ، الذي لم يعلم به الشعب التونسي إلا عبر الصحافة الجزائرية.كما لم تُستشر فيه المنظمات الوطنية التي تم ترويضها، ولا رئيسة حكومته المتبدّلة باستمرار، ولا وزراؤه المتشابهون، ولا حتى برلمانه الشكلي. كما لم يصدر أي بيان رسمي — لا من رئاسة الجمهورية، ولا من وزارة الدفاع، ولا من وزارة الخارجية.
اقتناعا بذكائه الفذ وعبقريته الفريدة، بل بعصمته المطلقة، يتصرّف طاغية قرطاج دون استشارة أحد وبدون مساءلته من أحد. وكما فعل حين فصّل لنفسه دستورًا على مقاسه، يكتب ويبرم بمفرده اتفاقات ومعاهدات، من بينها تلك التي عقدها مع جورجيا ميلوني، والتي حوّلت تونس إلى ملاذٍ توطينيللمهاجرين القادمين من إفريقيا عبر الحدود الجزائرية.تلك الحدود أصبحت شبه مفتوحة للأفارقة، أقلّ تحصينًا من حدودنا مع ليبيا، رغم أن وضع ليبيا معروف للجميع.وهكذا، يتفرّد قيس سعيّد باتخاذ القرارات المصيرية، بل الوجودية، ولو على حساب سيادة البلاد، مهدّدًا بقاءالدولةالوطنية التونسية نفسها.
لأنني كنت سابقا سفيرًا لدولة محترمة وذات سيادة، أعرف تمامًا أن الاتفاقات بين الدول تشبه التفسير القرآني عند المعتزلة: فيه الظاهروالباطن.بعبارة أوضح، في كل اتفاقٍ ثنائي استراتيجي هناك ما يمكن عرضه للرأي العام وللاستهلاك الداخلي، وهناك ما يُخفى عنه — تمامًا كما كان الحال في اتفاقيات إيفيان التي أقرت مبدأ استقلال الجزائر عام 1962، لكنها سمحت لفرنسا بإجراء تجاربها النووية هناك، ولم تُغادر نهائيًا الأراضي الجزائرية إلا في عام 1971.والأمر نفسه ينطبق على اتفاق 7 أكتوبر 2025، الذي يمكنني تسميته منذ الآن «قصر السعيد 2» — ليس لأنّه وُقِّع في المكان نفسه كما كان الحال سنة 1881، بل لأنّ اسم «سعيد» يُشير هذه المرة إلى الشخص الذي يحكم تونس منذ سنة2019.ويقول كارل ماركس، ساخرًا في تعليقه على مقولة هيغلية:«جميع الأحداث والشخصيات العظيمة في تاريخ العالم تتكرر مرتين… المرة الأولى كمأساة كبرى، والمرة الثانية كمهزلة بائسة!»
ومهما بلغ غموض هذا الاتفاق — أو بالأحرى المعاهدة — فإنّ غموضه نفسه هو ما يجعله موضع شك حتى لا نقول تهديدًا وجوديًا لتونس، كما ذكرت مجلةJeune Afriqueفي عددها الصادر في 8 أكتوبر 2025، حين قالت إنّ:«الجزائر تعتبر تونس في كثير من الأحيان موقعًا متقدمًا من أراضيها نفسها.»
تقول النسخة العربية المسربة من المعاهدة ، المكوّنة من سبعة بنود، إنّ البند السابع والمعنون «حماية سرية المعلومات» ينصّ تحديدًا على ما يلي:«تلتزم الطرفان بالحفاظ التام على سرية المعلومات المتبادلة في إطار هذا الاتفاق…»وهذا ما يكرّس الطابع السري المقصود والمعلن للاتفاق.أما البند الثالث المعنون «مراقبة الحدود ومكافحة التهريب» فينص على أن:«يتعاون الطرفان في مراقبة وتأمين الحدود المشتركة…"، مضيفًا (النقطة 5) أنه، «في إطار المتابعة العملياتية وملاحقة العناصر الإرهابية الخطرة، يُسمح للطرف الجزائري، بعد التنسيق المسبق مع السلطات التونسية المختصة، بدخول الأراضي التونسية ضمن حد لا يتجاوز خمسين (50) كيلومترًا…». ولم يُذكر أي شيء عن أي تبادل بالمثل!أما بالنسبة للنقطة 6، حصريّة التعاون الأمني والدفاعي، فهي تحذّر من أن «الطرف الثاني لن يتمكّن، بعد توقيع هذا الاتفاق، من إبرام أي اتفاق أو شراكة مع طرف أجنبي في المجالات الأمنية أو الدفاعية المتعلقة بأحكام هذا الاتفاق، دون التنسيق المسبق والحصول على موافقة كتابية مسبقة من الطرف الأول».وهذه البنود تذكرني، بالمناسبة، ببند آخر وارد في معاهدة 6 يناير 1970 (سأتطرق إليه لاحقًا) والمتعلق بتسوية النزاع الحدودي بين الجزائر وتونس، والذي ينص على «… الالتزام بعدم الانضمام لأي ميثاق أو أي تحالف موجه ضد أي من الطرفين»!
منذ فجر التاريخ، كانت حجة "تأمين الحدود" الذريعة الأبدية التي يتذرّع بها القوي لإخضاع الضعيف.فقد نصّ المادة الثانية من معاهدة قصر السعيد (K.S 1881) على ما يلي:«يوافق سمو الباي على أن تحتلّ السلطة العسكرية الفرنسية النقاط التي تراها ضرورية لإعادة النظام وضمان أمن الحدود والسواحل».الفرق الوحيد أنّ صادق باي وقّع تلك المعاهدة والمسدس بين عينيه، بعد أن أُرغِم على القبول بها، رغم أنه كان قد أرسل قبلها شقيقه علي باي، وليّ العهد، على رأس ثلاثة آلاف جندي إلى منطقة الشمال الغربي.أما أسباب تلك الحملة فقد اختلف المؤرخون حولها:فهناك من يرى أنّ القوات التونسية كانت تريد أن تُظهر للحكومة الفرنسية حرص الباي على تهدئة الحدود وحماية المصالح الفرنسية؛وهناك من يرى العكس، أي أنّها كانت مناورة لمراقبة التحركات الفرنسية ومواجهتها عند الضرورة، رغم الفارق الهائل في العدد والعتاد.
أما اليوم، فإنّ مغتصب قرطاج الحاليلم يحتج حتى للضغوط أو التهديدات. فقد أرسل طواعيةً وزير دفاعه إلى الجزائر لتوقيع معاهدةٍ صيغت وأُمليت بإرادة "الأخ الأكبر" الجزائري.في الواقع، تونس والجزائر لم تكونا بحاجةٍ إلى اتفاقٍ جديد. فالاتفاقات والمعاهدات السابقة — خصوصًا اتفاق عام 2001 بين بوتفليقة وبن علي — كانت كافية تمامًا.لكن الديناميكية الجديدة التي أطلقها اتفاق قصر السعيد 2025، كما تقول وكالةAPANewsفي 10 أكتوبر 2025،«تعزّز الموقع المهيمن للجيش الجزائري في منطقة المغرب الأوسط، لكنها تزيد من التبعية العسكرية التونسية في سياق هشاشةٍ مؤسساتية واقتصادية في تونس.»وتضيف صحيفةHespressفي اليوم نفسه:«الجزائر وتونس لا تواجهان أي تهديدات خارجية جدّية تبرر توقيع اتفاقٍ من هذا النوع؛ المسألة تتعلق أساسًا بتعزيز تبعية تونس، وتكريس تفوّق الجزائر على بلدٍ جارٍ وقع في فخّ السياسة التدخلية الجزائرية.»هذا النهج التدخليليس وليد اليوم؛ بل يمتدّ إلى أكثر من نصف قرن، ولم يقتصر على تونس فحسب، بل شمل دولًا أخرى في المنطقة، بدءًا من جيرانها المباشرين.
*من مواليد سنة 1961، مازري الحداد هو فيلسوف ودبلوماسي وسياسي تونسي ذو توجه بورقيبي راديكالي. عارض نظام بن علي لفترة طويلة (1989-2000)، ثم أصبح أحد مستشاريه في الظل (2002-2008)، قبل أن يُعيَّن سفيرًا لتونس لدى منظمة اليونسكو (2009-2011).
يحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون، وحاصل على إجازتين في التاريخ المعاصر وعلم الاجتماع، وهو من أوائل وأندر المرشحين المسلمين الذين نالوا تأهيل الجامعة الفرنسية كـ«محاضر في علم اللاهوت الكاثوليكي».
يُعَدّ الدكتور مازري الحداد من أبرز المدافعين عن الحوار بين الأديان، وصديقًا مقرّبًا جدًا من المهدي المنجرة ومحمد أركون. نشر بالفرنسية كتابًا بعنوان «من أجل إسلام السلام» (2001) بالاشتراك مع مالك شبال. ومن أشهر مؤلفاته أيضًا « لن تدمر قرطاج (2002) و«معركتي ضد الإسلاموية وأغبيائها النافعين» (2022).
أما آخر كتبه في الجغرافيا السياسية فقد خُصِّص للصراع الروسي-الأمريكي، تحت عنوان «من صدام الحضارات إلى الحرب بالوكالة» (2023)، وقد كتب مقدمته الوزير الفرنسي للخارجية السابق أوبير فدرين
تنسيق وإعداد المقال للنشر: محمد زيتوني