الوطنية الناجعة والناجحة ليست أبدا غضبا ولا يجب أن تكون نشوة، بل انضباطا جماعيا مستمرا، يقود نحو تحويل العاطفة إلى مؤسسات لا شعارات، وقودها تعليم قوي مرتبط بهويتها، وزاد استقرارها الشعار الرئيسي لـ"إصلاحات ميجي" التي أطلقت باليابان عام 1868، وهو: "بلد غني، جيش/أمن قوي وتحديث مستمر يحافظ على كرامة الأمة".
مناسبة هذه المقدمة، ما ظهر مؤخرا، في ارتباط بتداعيات تنظيم "الكان" وخسارته أمام السنغال، من تعبيرات المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي - انتقل أيضا إلى الواقع - من حسٍ "مُفرط" في الحس الوطني.
حسٌ وطني ليس خطرا أبدا، لكنه يخيف.
الإفراط في إظهار الوطنية ليس عيبا ولا جرما، بل مرحلة تاريخية ضرورية في تحولات الشعوب، مهما كان الحدث الذي سرع أو فجر "عدوى الجرأة" التي مست شريحة واسعة من المغاربة، تجاه رفع شعار "المغرب أولا وأخيرا".
لكن، لماذا هذا الحِسُ المفرط ليس خطرا وفي الوقت ذاته يخيف ؟
لأن العامل النفسي الجمعي الذي يتحكم فيه، اليوم، لم ولن يكون منتوجا مغربيا خالصا، بل هو نتاج تراكمات بنيت بالأساس على ردود الفعل وليس الفعل.
يقول ابن خلدون، إن "التاريخ لا تصنعه الحوادث المنفردة، بل البنية العميقة للمجتمع. الحدث الصغير ليس سببا، بل كاشفا".
إذن، وجب التحذير، هنا، من تحول الحق المشروع في التعبير عن الوطنية، من آلية تطور، مهما صغر الحدث المحرك، إلى معول هدم.
لماذا؟
لأن المغرب، وعلى امتداد قرون في علاقته، ليس مع محيطه الإفريقي فقط، بل حتى أبعد نقطة من رقعته الجغرافية، وضع نشأة المملكة واستمرارها على أسس: الرمز والمقدس والمشترك، يؤطرها التوازن الدائم بين وفرة الخبز وصلابة الجيش/الأمن، بالإضافة إلى عامل خامس، سوف أختم به هذا المقال، لأن الضرورة تفرض تركه في الأخير.
واهم من يعتقد أن الذين استثمروا في استهداف احتضان المغرب لنهائيات كأس أمم إفريقيا، تقف أهدافهم عند حدود إظهار "ضعف التنظيم وبرودة الاستقبال ولعبة الكواليس..."
أبدا!
فالجزائر، ومعها حلفاء لها في السر أكثر من العلن، جعلت من هذا الحدث الكروي "حصان طروادة"، تخطط لأن يلج كل بيت مغربي وإفريقي.
جنرالات قصر المرادية ومن معهم، ما فتئوا، منذ صافرة نهائي "الكان"، يبحثون عن جثة، ضحية سقطت هنا أو هناك، ثم ينتظرون أن يكسر أحدهم حاجز الخوف ليقلده الناس، ثم يتحول الفعل الفردي إلى مواجهة جارفة، بلا بداية ولا نهاية.
موجة، الهدف منها، ليس نشوة كأس أو تسفيه تنظيم حدث كروي، بل غايتها: إسقاط الرمز، وهز المقدس، ثم ضرب المشترك بحثا عن توريط الجيش/الأمن، بعدها يسهل إشعال "أزمة الخبز".
حين ستعلو الموجة، سوف يتذكر الذين شحنوا أنفسهم بالحس الوطني المفرط، أنه وجب أخذ المقابل سريعا على ما استثمروه من ذواتهم لأجل الدولة. نعم حينها، سوف يغيب الوطن، ليحضر عند "العامل النفسي الجمعي" المُستغل، سؤال:
هذا ما قدمناه من "تضحيات"، ماذا قدمت لنا الدولة؟
والجواب عن السؤال متاح في ما لا نهاية من أحداث التاريخ القديم منه والحديث.
لأجل كل ما سبق، فالوطنية وإن كانت مفرطة، لا يجب أن تجر إلى تعبيرات عُنصرية، أرضها تكون خصبة بالضرورة حين تكون مسقية بمياه نابعة من العمق المشترك.
حذار، الغضب مشروع واستغلاله فينا مرفوض. نحن أمة من أمم إفريقيا، من القارة وإليها. نعم، يجب أن نقطع مع سياسات جبر الخواطر بلا حساب، لكن لا يجب أن نبتر حبلا سريا يمد مستقبل أجيال بما تحتاجه لتنمو أكثر.
مغربنا يغيظ أعداءه، لأنه تحول لمشيمة تغذي مستقبل جنين يقترب من ساعة المخاض لأجل قارته.
مغربنا قوي بتعدد أعراقه وأجناسه وإثنياته ودياناته... هذا الوطن الذي نجح في استيعاب الجميع فوق أرضه لقرون، قادر على الانتصار مرات ومرات، مهما تغيرت أساليب الطعن في الظهر قبل الصدر.
ماذا عن العامل الخامس المكمل لأضلع "الرمز والمقدس والتوازن بين قوة الجيش/الأمن ووفرة الخبز؟
إنه الإشاعة. نعم.
الإشاعة، اليوم، أقوى من الإعلام الحديث. ما يحزن هنا، أن المغرب لا يملك مقومات مواجهة الأولى، ولا قوة الثاني لدحضها.
خلال الأيام الثلاثة التي تلت نهائي "الكان"، ولا أبالغ باستحضار أمثلة عديدة من التاريخ، كانت فيها إشاعة أخبار الموت سببا مباشرا في إشاعة الفوضى وإشعال النعرات والحروب.
ما حدث ويحدث ضد المغرب استثمار مكثف في الإشاعات، بل حرب دعايات رخيصة وشرسة، أو بتعبير أصح، بروباغندا كاسحة، لأنه الوصف الأدق.
البروباغندا تتصدر قائمة أعداء مغرب اليوم والغد، في الداخل قبل الخارج.
فهل يستفيق أهل الحل والعقد من النشوة والشعارات بالانتقال سريعا لبناء أفراد وإنشاء مؤسسات قادرة على وأدها في المهد لا مواجهتها فقط؟
الجواب لا يحتاج إلى تأجيل!