مجلة وزارة الأوقاف: قطع الطرق أثناء الاحتجاجات منكر على رجال السلطة النهي عنه

محمد فرنان

في عددها الجديد (454)، نشرت مجلة دعوة الحق، الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مقالا للباحث سعيد الوردي، الأستاذ بكلية الحقوق بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، بعنوان: "دور رجال السلطة المحلية في تطبيق قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

في مستهل مقاله، شدد الكاتب على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إنساني وفضيلة اجتماعية ربانية، من أجلها بُعث الرسل، ويَسر لها المصلحين الاجتماعيين من ذوي العلم والفقه في الدين وولاة أمور المسلمين عبر الحقب والأزمان، فهي، بحسب تعبيره، وصية الله عز وجل وأمره في الأمم المتقدمة والمتأخرة، إذ بها تتحقق سعادة الإنسان وفلاحه، وصلاح المجتمع واستقراره.

وبعد أن تناول الكاتب مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لغة واصطلاحا، طرح تساؤلا محوريا مفاده: إلى أي حد يمكن لمؤسسات الدولة الحديثة، ولا سيما هيئة رجال السلطة، أن تمارس هذه القاعدة الشرعية؟ ثم تساءل تبعا لذلك عن مظاهر ومجالات تدخل هذه الفئة في هذا الإطار.

وفي المحور الأول من مقاله، المعنون بـ"اختصاص ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدولة الحديثة"، أوضح الوردي أن الإمام أو السلطان، ومن ينوب عنه، أولى من غيره بالقيام بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنه القادر الممكن من ممارستها باليد، أي بالسلطة والقوة عند الاقتضاء، ثم يليه العلماء وأولو الفكر والنظر، باعتبارهم أهل الكلمة والبيان، يمارسون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان، من خلال الوعظ والإرشاد والنصح، أما عامة الناس، فيرون المعروف وينهون عن المنكر في حدود علمهم وحكمتهم واختيارهم الموعظة الحسنة.

وأضاف الكاتب أنه إذا كانت هناك هيئة متخصصة أو جهة معينة مكلفة من قبل السلطان، فيجب قصر تغيير المنكر باليد عليها وتوكيل الأمر إليها، تفاديا للفوضى والاجتهادات الخاطئة التي قد تكون مضارها أكبر من مصالحها.

وانطلاقا من هذا التصور، يرى الوردي أن رجل السلطة، باعتباره الممثل الأول للدولة في نطاق نفوذه الترابي، مؤهل أكثر من غيره لتنزيل هذه القواعد، وضمان السير العادي لحياة المواطنين، من خلال التدخل لمنع اقتراف المنكرات، والحث على القيام بأعمال الخير والمعروف، تحقيقا للتضامن والتآزر والاحترام المتبادل بين الناس.

ويبرز الكاتب أن الحمولة التاريخية لمؤسسة القائد جعلت منه أقرب ممثل للدولة إلى المواطنين، يلجؤون إليه في أوقات الشدة، ويشتكون إليه ما يضرهم، وهو المعول عليه في حل النزاعات واستتباب الأمن والطمأنينة، ويتم ذلك – كما يشير – ليس فقط عبر القانون، بل أيضا من خلال استحضار قيم العدل والإنصاف، والدعوة إلى اجتناب المنكر، والحث على فعل المعروف.

وأوضح أن اختصاصات رجل السلطة ليست محددة حصرا بنص قانوني، بل تمتد لتشمل مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، فهو حاضر – كما يقول – في قطاع الصحة لتيسير المبادرات، وفي التعليم لتذليل الصعاب، وفي الفلاحة لإنجاح حملات تلقيح المواشي، وغيرها من المهام الميدانية المتعددة.

ويرى أن نجاح رجل السلطة في أداء مهامه لا يمكن أن يتحقق بالاستناد إلى القوانين وحدها، بل يحتاج إلى مؤهلات شخصية وروحية تجعله قريبا من الناس، عطوفا عليهم، قادرا على حل مشاكلهم باللين والحكمة، وأفضل سبيل لذلك – بحسبه – هو تطبيق قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من خلال إعطاء القدوة الحسنة في السلوك والمعاملات اليومية، وعدم التغاضي عن المنكرات، والحث المستمر على المعروف والتآزر الاجتماعي.

وضمن الأمثلة التي ساقها الكاتب لمجالات تدخل رجال السلطة في هذا الإطار، ذكر أن المشرع أناط بهم مهام مراقبة احتلال الملك العمومي، ومنحهم صلاحيات واسعة للتدخل عند الضرورة، ومع ذلك، فليس كل تدخل بالضرورة زجريا، إذ كثيرا ما يعتمد رجل السلطة على أسلوب الأمر والنهي بالتي هي أحسن، كما في تنظيم الباعة الجائلين واحترام الممرات العمومية ومنع استعمال مكبرات الصوت المزعجة.

وأبرز  أن من مهام رجل السلطة أيضا النهي عن احتلال الأرصفة من طرف التجار الذين يعرضون سلعهم خارج محلاتهم، لما يسببه ذلك من أذى للراجلين وخطر لحوادث السير، وهذا النهج – في نظره – امتداد لما استقر عليه عمل ولاة الحسبة في التاريخ الإسلامي، الذين كانت لهم ولاية في تنظيم الأسواق بما يراعي مصالح الناس ويمنع الضرر عنهم.

وأشار الكاتب إلى أن إغلاق الطرق العمومية خلال الاحتجاجات يعد من المنكرات التي يجب على رجال السلطة النهي عنها، عبر إقناع المحتجين بعدم عرقلة المرور، حماية لحقوق الآخرين، ولا سيما المرضى والمسافرين والملتزمين بمواعيد ضرورية.

وأضاف أنه من واجب رجل السلطة التحذير من المخاطر المرتبطة بالطرقات، سواء أكانت ناجمة عن قطاع الطرق أو الكوارث الطبيعية، كالفيضانات والحرائق، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بردع المخالفين عند الإصرار.

وذكر أن نظافة الطريق من مظاهر المعروف التي ينبغي الأمر بها، فينهى رجل السلطة عن رمي الأزبال في الطرقات، ويحث الأسر على احترام مواعيد إخراج النفايات إلى الأماكن المخصصة لذلك، حفاظا على البيئة والصحة العامة.

وعلاوة على ذلك، يرى الوردي أن مجال علاقات الجوار يمثل ميدانا خصبا لتنزيل قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ يتدخل رجال السلطة في معالجة تظلمات الجيران، من خلال الحث على حسن الجوار، ومنع السلوكات المزعجة أو المسيئة، مثل الضجيج أو تسرب المياه أو الاعتداء على حقوق الجار.

وخلص الكاتب إلى أن تدخلات رجال السلطة في هذا الباب قد تنجح في أحيان كثيرة، وقد تواجه بعدم الاستجابة في أحيان أخرى، غير أن ذلك لا ينبغي أن يكون سببا للتقاعس عن أداء هذه المهمة، لأن في استمرار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حفظا لمعالم الدين، وصونا لقيم المجتمع واستقراره.

وشدد الوردي على أنه لا ينبغي لرجل السلطة أن يمل من أداء هذا الواجب، لأن الحفاظ على السلم الاجتماعي لا يتحقق إلا من خلال تعزيز ثقافة المعروف ومناهضة المنكرات، فكلما ازداد شعور الأفراد بمسؤولياتهم، وقويت الرقابة الاجتماعية في المجتمع، كان البناء أقوى والسير أكثر استقامة.