فضيحة غياب الموظفين: وزير العدل يحيل ملف تزوير توقيعات بمحاضر جلسات محكمة تطوان على النيابة العامة

منير أبو المعالي

في الوقت الذي كانت فيه محاضر جلسات بالمحكمة الابتدائية بتطوان تحمل توقيع موظفة يفترض أنها تمارس مهامها بشكل اعتيادي، كانت المعنية بالأمر تقيم خارج المغرب لفترات طويلة.

هذه المفارقة كانت من بين المعطيات التي قادت وزارة العدل إلى فتح تحقيق إداري انتهى بإحالة الملف على النيابة العامة المختصة، بعدما خلصت الأبحاث الأولية إلى وجود شبهات تزوير في وثائق رسمية مرتبطة بسير الجلسات القضائية، وفق ما أفاد به مصدر مسؤول بوزارة العدل لـ"تيل كيل عربي". وشدد المصدر أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي يشرف بشكل شخصي على الملف، "أمر بإحالة القضية على النيابة العامة المختصة من أجل إجراء تحقيق".

وتعود بداية القضية إلى تقرير توصلت به الوزارة بشأن غيابات متكررة وطويلة الأمد لموظفين بالمحكمة الابتدائية بتطوان. غير أن مراجعة سجلات الحضور والانصراف لم تكشف أي مؤشرات غير عادية، إذ كانت التوقيعات مثبتة بشكل منتظم، كما لو أن أصحابها يزاولون مهامهم اليومية بشكل طبيعي.

لكن التحقيق الإداري الذي أعقب ذلك كشف معطيات مغايرة. فقد تبين أن إحدى الموظفات، التي تشغل مهام كاتبة ضبط، كانت خارج التراب الوطني خلال فترات طويلة، في الوقت الذي استمرت فيه محاضر جلسات ووثائق إدارية في حمل توقيعها.

توقيعات تطوي المسافات بين تطوان وبروكسيل

بحسب المعطيات التي حصلت عليها "تيل كيل عربي"، فإن التحقيق سيشمل رئيس مصلحة كتابة الضبط بالمحكمة، الذي تم توقيفه عن العمل وإعفاؤه من مهامه، إلى جانب الموظفة المعنية التي كانت تتنقل باستمرار إلى بلجيكا، حيث يقيم زوجها العامل بوزارة العدل في إطار مهامه المرتبطة بخطة العدالة داخل سفارة المملكة المغربية ببروكسيل.

وخلال تلك الفترات، كانت الوثائق الرسمية للمحكمة، بما فيها محاضر الجلسات، تشير إلى حضور الموظفة ومشاركتها في أداء مهامها بشكل اعتيادي.

وقد شمل قرار التوقيف عن العمل أيضا الموظفة المعنية، فيما استدعت وزارة العدل زوجها للاستماع إليه في إطار الأبحاث الجارية، وسط مؤشرات على أن القضية قد تكون لها انعكاسات مباشرة على وضعيته المهنية.

من التحقيق الإداري إلى المتابعة الجنائية

مصدرنا بوزارة العدل اعتبر أن الوقائع التي تم التوصل إليها تتجاوز مجرد إخلال إداري بمقتضيات الحضور، لتلامس أفعالا قد تندرج ضمن جرائم التزوير في محررات رسمية، وهو ما دفع الوزير عبد اللطيف وهبي إلى إحالة الملف على النيابة العامة المختصة من أجل مباشرة الأبحاث القضائية اللازمة.

ولا تستبعد الوزارة أن يمتد التحقيق إلى موظفين آخرين يحتمل أن تكون لهم صلة بعمليات التوقيع أو المصادقة على الوثائق موضوع الشبهة، خاصة أن بعض الأسماء التي يجري التحقق من أدوارها تربطها علاقات عائلية أو مهنية مباشرة بأحد المتورطين الرئيسيين في الملف.

وفي هذا السياق، حلت لجنة تفتيش تابعة للوزارة مرة أخرى بالمحكمة الابتدائية بتطوان مطلع الأسبوع الجاري، حيث باشرت جولة جديدة من التحريات وجمع المعطيات.

جواز دبلوماسي تحت المجهر

من بين التداعيات التي ترتبت عن القضية، قرار سحب الجواز الدبلوماسي الذي كانت تستفيد منه الموظفة بصفتها زوجة لموظف يندرج ضمن العاملين بالسلك القنصلي.

وبحسب المصدر نفسه، اكتشفت مصالح الوزارة أن الجواز استعمل في عدد من التنقلات نحو سبتة المحتلة خلال فترات تزامنت مع وجود الموظفة بالمغرب، وكانت الغاية منها أغراضا شخصية مرتبطة بالتسوق.

وتعتبر وزارة الشؤون الخارجية هذا النوع من الاستعمال مخالفا للمقتضيات المنظمة للاستفادة من الجوازات الدبلوماسية، وفق المذكرات المؤطرة لهذا المجال.

مسار مهني تحت التدقيق

القضية ألقت أيضا الضوء على المسار المهني لرئيس مصلحة كتابة الضبط المعفى من منصبه، والذي راكم خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الترقيات والتنقلات السريعة داخل عدد من المحاكم بالشمال.

ويشغل المسؤول الموقوف كذلك مهاما تنظيمية داخل حزب الأصالة والمعاصرة بجهة الشمال.

وفي مؤشر على رغبة الوزارة في طي الصفحة إداريا، أطلقت وزارة العدل بالفعل مسطرة شغل منصب رئيس مصلحة كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية بتطوان، وفق إعلان اطلعت عليه "تيل كيل عربي"، في انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث القضائية.