ريم اللعبي، القريبة البعيدة

تيل كيل عربي

شهرزاد عجرودي

حين تفتح ريم اللعبي باب الألوان، لا تدخل وحدها بل تدخل معها وجوه النساء، ملامح الطفولة وظلال من الحنين البعيد.

تتحرّك أفقيًا، بهدوء وإصرار، مثل عشب أو ذاكرة.

ولدت عام 1973 في الرباط، وتعود مغامرتها التشكيلية إلى الطفولة، رفقة أب دبلوماسي، رسّام، وابنَ صانعِ سروجٍ ماهر في فاس. تشكلت ملامح مراهقتها فيما بعد، تحت سماء أثينا، وعلى مقربة من جماليات العصور اليونانية القديمة، اتّسع هذا الأثر، قبل أن يتعمّق في باريس، حيث أنجزت أطروحة الدكتوراه في جامعة السوربون ضمن دراسة تمفصلت بين النظرية والممارسة حول التذكاري والمزخرف، وشاعرية العمل الفني كتداخلٍ للذاكرات. واليوم، يتواصل هذا المسار في صيغة بحثٍ مفتوح، يغذّيه التدريس الجامعي، في "تاريخ الفنون والأفكار"، وتنشيط محترفات الفنون التشكيلية، في جامعة محمد الخامس في الرباط.

ممارستها الفنية تُجاور ما سمّاه جيل دولوز وفليكس غواتاريب (الجذمورLerizome) هو ساقٌ تحت أرضي ينمو أفقيًا، ويُمكّن من التكاثر. أما في الفلسفة فهو شبكة غير هرمية، حيث يمكن لأيّ نقطة أن تتصل بأيّ نقطة أخرى، على غرار شبكة جذور تمتدّ في جميع الاتجاهات. هذا النمط من التفكير بلا مركز، بلا أصل واحد أو تراتبية، ينتج المعنى في الوسط، بدلا من القمّة. فينتصر مفهوم العشب على الشجرة.

حسب الفيلسوف الفرنسي دولوز، الشجرة تنتمي إلى النَّسَب، أمّا الجذمور فلا يعرف إلا التحالف. الشجرة تقول يكون، والجذمور ينسج لغته من، و… و… و… وفي هذا العطف ما يكفي لزعزعة فعل الكينونة، واقتلاعه من عمقه.

هكذا يتشكل عالم ريم اللعبي، لا صورة تؤسّس غيرها، ولا شكل يفرض سلطته بل شبكة من العلاقات، كل عنصر فيها قابل لأن يتصل بغيره، وأن يؤثر فيه أو يغيّره.

أعمالها لا تقدّم موضوعًا جاهز التأويل، بل حقل علاقات يمكن السكن فيه. لون يلامس المادة، مادة توقظ ذاكرة، ذاكرة تذوب في شكل، وشكل يعود ليلتحم بالجسد، ثم بالطبيعة. كل شيء متشابك ومتّصل. السطوح متشققة، مُراكَمة، متآكلة، تحمل آثار الزمن، الضغط والتردّد. حيث تسود ألوان ترابية، عضوية، منخفضة الصوت. جرح بصري، فتحة، وأشياء أخرى. لا أجساد بطولية، ولا وجوه مستقرة. فقط آثار وظلال كائنات في طور التحوّل، إلى جانب النبات، المعدن والنسيج. أما الإنسان فهو عنصر من بين عناصر أخرى، متشابك، هشّ ومؤقّت.

تنتمي ريم اللعبي إلى جيل لم يعد يبحث عن أصل صاف أو سردية كبرى. يعمل فنها كشبكة، لا كنُصب. يشبه الإنترنت أكثر من الكتاب. كما يشبه الحياة في شرطها المعاصر، متشظّية، متّصلة وفي صيرورة لا تتوقّف نكاية في الأعمدة المتصلبة والجامدة.

حين عُرضت أعمالها في رواق باب الرواح في الرباط سنة 2025، بدت كخريطة بلا دليل، إذ يمكن الدخول من أي نقطة والتوقّف أو الخروج ثم العودة. هذا النوع من الفنّ يتطلب البطء والانتباه والاستعداد للتيه.

وقد غذت هذا المعرض بمختارات ونصوص شعرية تحيل على ذائقة مرهفة وحس انتباه عال تجاه اللغة، لا يتعلق هذا الاهتمام الشاعري والقرب الشفاف من اللغة بالمعرض فقط، بل يتواصل في اليومي، إذ لا تجدها إلا وديوان شعر بين يدها أو على الطاولة، ويبدو أنها قد ورثت هذا الشغف الجميل من عمها الشاعر الكبير عبد اللطيف اللعبي.

تجمع موادها من كل الجهات، بدءا برقاقات الحواسيب إلى القواقع الأحفورية. مواد لا تتجاور اعتباطًا، بل تدخل في شراكات شاعرية، تتصادم أحيانًا، ثم تتآلف في توازن هشّ. وهي تنسج أعمالها ببطء، وتترك للصدفة هامشها، حتى يتشكّل إيقاع بصريّ في حالة طفو مفتوح على التحوّل.

يلحظ المتابع لتجربتها الفنية حضور نساء سرياليات خياليات، يضفين على اللوحة نوعا من الغرابة. إلى جانب حضور حيواني طاغ ولافت، بدءا بالنحلة، السمكة، والبطة، انتهاء بالسحلية، الضفدع، ثم الفيل والقط "غيوان"، رفيق حياتها منذ خمس سنوات تقريبا، والذي يشبهها في طبعها وربما في الشكل أيضا، مهيب الحضور، جميل، وحذر.

تحب ريم الحياة كما هي، وكما وصفها جيل دولوز، فالفرح الحقيقي حسب فلسفته هو فرح أن تصير ذاتك، أن تكون جديرًا بأن تكون نفسك. هذا الفرح لا يتعلق بالأنانية أو باللذات الصغيرة، بل هو قوة داخلية تمنح القدرة على الصمود أمام فظاعة العالم، وجماله أيضا.

تتحدث اللغة اليونانية بطلاقة، وتحتفظ بعلاقات قريبة تغذيها المحادثات الهاتفية من حين لآخر، مع أصدقائها الذين تركتهم هناك في اليونان، باريس، كوريا الجنوبية ومدن أخرى كثيرة، يسكنون قلبها الفسيح، ويغذون بذكرياتهم يومها الهادئ في شوارع العاصمة.

تخبئ في حقيبتها شمعة باريسية، مؤجَّلة الاشتعال منذ واحدٍ وعشرين عامًا. عربون صداقة، ضوء يرافقها وينير حضورها الصافي الرقيق.

تقول وهي تصف نموذجا من أيامها العادية الهادئة، "أمشي كل يوم إلى أن أصل إلى مقهى فندق المتحف في الرباط، وأجلس على طاولتي المعتادة. بين صخب ماكينة القهوة، طرق الأكواب، همس الأحاديث، الموسيقى، أو تعليق مباراة كرة القدم. يتحول ركني الصغير إلى ورشة، أستعيد فيه تواصلي مع خطاي الداخلية أرسم، وأتيه..."

نبضة أخيرة تترسخ في الذاكرة قبل أن تفترش ريم العشب أو تنظر إلى الشجرة، هادئة، بشوشة ومبتسمة، ماذا لو لم تكوني فنانة تشكيلية؟ تجيب والنور يملأ وجهها المضيء: "حتما سأكون راقصة".