ساعة "الانتحار الحضاري البطيء"

أحمد مدياني
أحمد مدياني

صباح يوم الأحد 15 فبراير، كان أشبه بموعد خروج قرابة 40 مليون مغربي ومغربية من عيادة طب نفسي، بعدما أنهوا فترة علاج كانت تحتاج ساعة فقط، لتُضبط معها عقارب حياتهم الطبيعية على التوقيت الصحيح.

لن أبالغ إن قلت إن ملايين المغاربة يودون، اليوم، أن يحل شهر رمضان مرتين في السنة، على الأقل، وفق ما تفرضه طبيعة دورة القمر حول الأرض.

فعلا، كلما صدر بلاغ العودة لتوقيت "غرينتش"، يتأكد أننا تعرضنا، ونتعرض، لما يشبه عقابا جماعيا... سُجناء نتمتع مرة في السنة بالسراح المؤقت، لشهر ونيف، من عذاب نفسي، اجتماعي وصحي.

السنة الماضية، نشرت مجلة "Sleep Medicine Rviews" مقالا علميا، تناول مراجعة منهجية لـ 27 دراسة، أكدت تأثيرات اعتماد التوقيت الصيفي على نوعية النوم. هنا تتحدث الدراسة عن اعتماده في مدة محدودة لا تتجاوز ثلاثة أشهر في المتوسط، فما بالك بتحويل الإيقاع البيولوجي لسكان دولة على طول العام لسنوات.

وتربط نتائج المراجعة المنهجية للدراسات المنجزة بين التأثيرات على نوعية النوم لدى السكان وكافة الوظائف التي يقومون بها على مدار اليوم.

هذا الجانب، اشتغلت عليه دراسة أخرى نشرت، مؤخرا، بمجلة "Jornal Of Circallian Rhgthms"، تؤكد أيضا أن اعتماد التوقيت الصيفي يسبب مباشرة، وعلى المدى الطويل، ما يعرف علميا بـ"تشتيت الإيقاع البيولوجي".

بدورها، نشرت منصة "Arxiv"، شهر شتنبر من سنة 2025، دراسة علمية تهم جودة النوم حول العالم، حللت خلالها بيانات 61 دولة، من بينها منطقة شمال إفريقيا، حيث أظهرت أن تأثير إضافة ساعة التوقيت الصيفي يكون متباينا، حسب التموقع الجغرافي للدول، خاصة على خطوط العرض، في ارتباط مع طول أو قصر ساعات النهار والليل.

من أهم خلاصات هذه الدراسة، أنه لم يعد من الممكن حصر الحاجة لتطبيق التوقيت الصيفي داخل دائرة مبرر خفض كلفة إنتاج الطاقة، بل أصبح لزاما الأخذ بعين الاعتبار كل الخصوصيات المرتبطة بالبيئة والثقافة ونمط الحياة المحلي.

أي أن إضافة ساعة، مثلا، لتوقيت دول أقصى شمال أوروبا ستكون له تأثيرات مختلفة جدا ومتباينة على سكان دول أقصى جنوب القارة، بل إن الاختلافات ستكون أعمق، حين تنتقل المقارنة جغرافيا ما بين أقصى الشرق مقابل الغرب.

هذا ما تقوله أحدث الدراسات الدولية بخصوص تأثير إضافة ساعة واحدة، خلال فترة محدودة، على إيقاع نمط حياة سكان دولة.

ماذا عن إضافتها طوال السنة في حالتنا المغربية؟

الجواب لن يكون، للأسف، دقيقا، لأن المغاربة بكل مستويات إنتاجيتهم، مواقعهم وصفاتهم السياسية والأكاديمية والعلمية والمجتمعية... احترفوا لعن تغيير توقيت المملكة من "غرينتش" إلى "غرينتش + 1"، على مواقع التواصل الاجتماعي فقط، عوض الاجتهاد أكثر لإظهار حجم الأضرار التي خلفها القرار بالأرقام.

لذلك، سنضطر في هذه الحالة للعودة إلى شهر نونبر من العام 2018، حين صدرت أول وآخر دراسة أنجزتها ونشرتها وزارة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية، حول تغيير الساعة القانونية.

ماذا جاء في نتائج الدراسة حينئذ؟

جاء:

* 77 بالمائة من المغاربة المستجوبين يؤكدون أن تغيير الساعة القانونية يسبب لهم اضطرابات في النوم خلال الأيام الأولى التي تتلو كل تغيير؛

* 70 بالمائة من المغاربة صرحوا أنهم يفقدون ساعة إلى ساعتين من النوم بهذا التغيير، خاصة خلال الأسبوع الأول؛

* 54 بالمائة من المغاربة، حسب الدراسة، يشعرون بأن مستوى تركيزهم ويقظتهم يتأثر بشكل سلبي خلال الأيام الأولى لكل تغيير؛

* نصف المواطنين المستجوبين يؤكدون أنهم يعانون من تأخيرات متكررة في مواعيدهم خلال نفس الفترة؛

* 64 بالمائة من المقاولات التي استجوبت صرحت أن مستخدميها يتأخرون خلال الأيام الأولى لتغيير الساعة؛

* 57 بالمائة من المقاولات تلاحظ انخفاضا في إنتاجية المستخدمين خلال الفترة ذاتها؛

* 30 في المائة من المرضى صرحوا لأطباء تم استجوابهم خلال إنجاز الدراسة بأنهم يعيشون "فوضى عارمة" خلال إضافة ساعة لتوقيت المغرب، وعدد منهم تظهر عليهم اضطرابات على مستوى وظائف آليات الجسم خاصة منها الهرمونية؛

نفس الدراسة، ذهبت لمقارنة معطيات إحصائيات حوادث السير في المغرب، حيث وقفت على أن تغيير الساعة كان عاملا مؤثرا في زيادة عدد الحوادث، إذ شكل أول تطبيق لهذا النظام سنة 2008، مصدرا لتأثير مفاجئ، حينها ارتفع عدد حوادث السير بنسبة 10 بالمائة، في نفس السنة، مقابل متوسط زيادة سنوية تقدر بـ 0.56 بالمائة خلال الفترة الممتدة من 2009 إلى 2016.

الأرقام التي ذُكرت هنا، جاءت في سياق قياس حجم التأثيرات التي كانت تنتج خلال فترة من سنة فقط، فما بالك على طولها، إذن، لو تم إنجاز دراسة أخرى، سوف تُحين النتائج التي ستكشف لنا واقعا صادما، علق المغاربة داخله.

واقع يجوز وصفه بـ"انتحار حضاري بطيء".