بقلم: يوسف معضور
قد تبدو فكرة الصوم عن "الكلاكسون" مجرد دعابة رمضانية، لكنها في العمق مرآة دقيقة لسلوكنا اليومي في الشارع والأزقة، فالمنبّه وُجد ليُنبه عند الضرورة، لا ليصبح وسيلة لتفريغ الغضب والضغوطات النفسية، لكن في رمضان يتحوّل من أداة تنبيه عند أغلبية السائقين إلى صمام أمان نفسي، كلما زادت ساعات الصوم وزاد الجوع، زاد الضغط على الزر!
المفارقة أن معظم من في الشارع يريد الوصول إلى وجهته في وقت وجيز، وكل سائق يتصرّف وكأنه الوحيد الذي يملك عذر الاستعجال، والضغط على المنبّه يصبح رسالة تقول "أنا أولى بالطريق منك" وهنا تكمن المشكلة الحقيقية التي ليست في الزحام ذاته، بل في شعور خفي بأن راحتنا الخاصة أهم من راحة الآخرين، هذا السلوك الذي يكشف الانانية المفرطة وأن حاجتنا الشخصية للتقدّم تبرّر أي انفعال!
الصوم عن "الكلاكسون" ليس مجرد امتناع ميكانيكي عن استعمال الزر، بل هو تمرين نفسي على ضبط النفس وتقبّل الواقع كما هو، والاعتراف بأن الازدحام لن يختفي بصوت أعلى وبتلك الطريقة، وأن الإشارة الحمراء ستخجل منك فتتحول إلى خضراء في أسرع وقت، كما أن بعض ثواني الانتظار لن تُقلل من قيمتك ولن تفوت عليك فرص ذهبية، بينما لحظة تهور قد تكون سببا في هلاكك وهلاك الآخرين.
لو تعاملنا مع المنبه كما نتعامل مع الطعام والشراب في رمضان، لكان استعماله محدودا بوعي، نحن لا نأكل طوال النهار لمجرد الرغبة اللحظية، بل لأن للصيام معنى أعمق من مجرد الامتناع عن الطعام، فلماذا لا نكبح إذن الرغبة نفسها حين تمتد يدنا نحو المنبه؟
تخيلوا أيضا لو قررنا، ولو ليوم واحد أن نصوم عن الضجيج، وأن يتحول الشارع قبل آذان المغرب إلى مساحة صبر جماعي بدل أن يكون ساحة توتر وصراع وأنانية مفرطة، وأن نعتبر الصمت عند الإشارة الحمراء بمتابثة "ديتوكس نفسي" وأن نحتسب الانتظار كما نحتسب ساعات الصيام، ربما سنكتشف أن جزءا كبيرا من فوضانا ليس بسبب ضيق الطرق، بل بسبب ضيق الصدور.
في النهاية، قد لا نستطيع توسيع الشوارع واختصار المسافات، لكن يمكننا "توسيع خواطرنا" قليلًا، والصوم عن “الكلاكسون” ليس شعارا طريفا، بل اقتراح بسيط لإعادة ربط العبادة بالسلوك وتحقيق العلاقة التكاملية بين الركنين، لأن أعظم انتصار رمضاني ليس في عدد الأطباق على المائدة ولا عدد ساعات الصوم، بل في عدد المرات التي اخترنا فيها الهدوء بدل الضجيج، وحين ننجح في المرور من إشارة حمراء دون أن نعزف سمفونية المنبّهات المعتادة، سندرك أن الصيام لم يكن فقط عن الطعام، بل كان قبل كل شيء عن الشر الذي بداخلنا !