د. هشام برجاوي- أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس - الرباط
اتسم موقف الدول-الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إزاء مجلس السلم الذي أنشأه دونالد ترامب لتدبير الملف الفلسطيني-الإسرائيلي، بالتحفظ، وبالتشكيك في جدوى هذه الآلية المستجدة، عن طريق الدفع بافتقارها إلى مرتكز قانوني واضح، يربطها بالمنظومة الأممية.
ويُعزى تشكيك قادة أوروبا في جدوى مجلس السلم إلى تفاقم الخلافات بين بروكسيل وواشنطن حول تدبير الملفات الدولية، والعلاقات الاقتصادية والتجارية، وكيفية التعامل مع منظمة الأمم المتحدة، وعموما التعاون الدولي متعدد الأطراف.
يمكن فهم الشق الجيو-سياسي من دوافع الموقف الأوروبي الرافض لمجلس السلم نظرا لارتباط هذا الشق بالتنافس بين واشنطن وبروكسيل حول ريادة مبادرات تدبير الملفات الدولية الثقيلة ، إلا أن الشق القانوني من هذا الموقف يستدعي، كذلك، تشخيصا هادئا، ذلك أنه يرجع إلى اختلاف جوهري في أسلوب التعامل مع المنظمات الدولية بصفة عامة، ومنظمة الأمم المتحدة بصفة خاصة، بين تيار محافظ يتشبث بالآليات التقليدية والمألوفة ممثلا بالاتحاد الأوروبي، وتيار براجماتي يدفع نحو ابتكار صيغ جديدة داخل الشرعية الدولية نفسها ممثلا بالرئيس دونالد ترامب.
لقد تأسست منظمة الأمم المتحدة في 24 أكتوبر 1945، أي أنها تبلغ من العمر، الآن، 80 عاما. وهي بذلك، إطار تنظيمي راكم خبرة وازنة في الوساطة الدولية، كما أنه يتوفر على عدد هائل من الموظفين المتخصصين، وشبكة متشعبة من الأجهزة والوكالات والبرامج. مما يعني أننا أمام نموذج تنظيمي ناضج، اكتسب تجربة رصينة، تمتد لثمانية عقود، في إدارة النزاعات الدولية. ومع ذلك، فإن الرأي العام العالمي ينتقد، باستمرار، قصور أداء منظمة الأمم المتحدة وضعف فعاليتها أمام تسارع وتفاقم النزاعات والأزمات.
لا يخفى أن أسباب هذا القصور غير ناتجة عن التدبير الداخلي لمنظمة الأمم المتحدة فحسب، بل ترتبط أيضاً بموازين القوى داخل النظام الدولي برمته، وبمصالح الدول الأعضاء. غير أن العوامل الذاتية المرتبطة بالبيروقراطية الأممية، وبطء اتخاذ القرار، تبقى حاضرة في تقييم الرأي العام العالمي، الذي بات ينظر إلى المنظمة، أحياناً، باعتبارها جهازاً مثقلاً بالإجراءات، وغير قادر دائماً على التفاعل السريع مع الأزمات المتلاحقة.
رغم أنه انتقد أداءها مِرارا، ولم تسلم من انتقاداته حتى مصاعد بنايتها المركزية الواقعة في مدينة نيو يورك، إلا أن دونالد ترامب لم يُحَجِّم دور المنظمة الأممية. وفي هذا الصدد، ينبغي أن نلاحظ أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد وافق، بموجب قراره رقم 2803 (2025)، على إحداث مجلس السلم. وتبعا لذلك، فإن إنشاء مجلس السلم المذكور، وكذا الهياكل التابعة له وخاصة قوة حفظ الاستقرار، منسجم مع الشرعية الدولية، ونابع منها، كما أن ظهور هذه الآلية ينشئ صنفا جديدا من الأجهزة الفرعية Les organes subsidiaires، ويترجم تطبيقا مبتكرا لمبدأ التفريع La subsidiarité في القانون الدولي.
إن كانت قوة حفظ الاستقرار المتفرعة عن مجلس السلم لم تتخذ الشكل الكلاسيكي لعملية حفظ سلام، بوصف هذه الأخيرة (أي عمليات حفظ السلام) جهازا فرعيا لمجلس الأمن الأممي يقع إنشاؤه طبقا للمادة 29 من ميثاق الأمم المتحدة، فإن المباركة الصريحة لإحداث مجلس السلم، التي تضمنها القرار رقم 2803، تضفي على هذه الآلية متعددة الأطراف، التي يقودها دونالد ترامب، الشرعية القانونية الكاملة، مع استحضار مُعْطَيَيْن جوهريين:
- اعترف القرار 2803 لمجلس السلم بالشخصية الاعتبارية للقانون الدولي؛
- سبق لمجلس الأمن الأممي أن اعتمد توجها مشابها في قراره رقم 1973 المتعلق بالملف الليبي، عندما أتاح للدول-الأعضاء التصرف، بصفة فردية، أو عبر اتفاقيات أو كيانات جهوية (استخدم المشرع الأممي مفردة "كيان"، وهي مفردة تقبل دلالات عديدة)، لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية في ليبيا إبان الحراك الشعبي الذي انتهى بانهيار نظام الراحل معمر القذافي.
من هنا، يبدو أن تحفظ بعض الدول الأوروبية حول مجلس السلم الذي أنشأه دونالد ترامب لا يستند، حصرا، إلى اعتبارات قانونية، بقدر ما يعكس تنافسا سياسيا يتعلق بموقع أوروبا الغربية داخل نظام دولي تهيمن عليه المبادرات الأمريكية. فالمسألة لا تتعلق، إذن، بمدى مشروعية الآلية، بل أيضاً بسؤال توزيع النفوذ والأدوار في تدبير الأزمات الدولية.
إن النقاش حول مجلس السِّلم ينبغي أن يتجاوز ثنائية القبول أو الرفض، وأن يُطرح في إطار أوسع، يتناول مستقبل العمل متعدد الأطراف، وكيفيات تطوير أدواته القانونية والمؤسساتية، لمواجهة نزاعات أكثر تعقيداً وتشابكاً. فالتحدي الحقيقي لا يرتبط بالدفاع عن الآليات القائمة أو الجديدة، وإنما بالبحث في القانون الدولي عن صيغ أكثر نجاعة لإدارة الأزمات الدولية بدلالة الزمن والكلفة والأثر.