"فراقشية المحروقات" وغنائم "أسطول الظل"

أحمد مدياني
أحمد مدياني

طوابير طويلة أمام محطات الوقود... قَطع متعمد للتيار الكهربائي داخل عدد منها... إغلاق تام لبعضها... تصريحات احتيالية بنفاد المخزون... وزيادات غير قانونية قبل حلول منتصف ليلة الأحد/الاثنين... والضحية، مواطن مغلوب على أمره عالق وسط المثل المصري القائل: "حاميها... حراميها!"

لم تمض سوى أيام على إعلان "الحرس الثوري" الإيراني أن "مرور السفن عبر مضيف هرمز لم يعد آمانا"، حتى كشرت شركات المحروقات بالمغرب ومحطاتها، مرة أخرى، عن أنياب الجشع، بدون حسيب ولا رقيب.

وحقيقة الأمر، أنه بالبحث والتتبع، ستجد أن "سرقة" جيوب المغاربة، علنا، لا تحتاج "شماعة المضيق"، بل هي ممتدة في الزمان والمكان منذ سنوات.

كيف؟

قبل الإجابة، لنواصل سرد كرونولجيا الأحداث الأخيرة، ونطرح الأسئلة تجاه القانون، ونبحث، أيضا، عن الحقيقة الغائبة وسط كومة تضارب المصالح التي أصبحت تُقترف من لدن المسؤول المغربي بـ"وجهو حمر!"

توقف حركة السفن بالمضيق بدأت بالضبط يوم الـ28 من شهر فبراير المنصرم، أي أننا في اليوم الـ17 من الأزمة فقط، هذا إن كانت أصلا موارد النفط المغربية تصلنا من هناك بنسبة مائة في المائة، وليس هذا هو الواقع الذي سنتطرق إلى تفاصيله، في الفصل الأخير من هذا المقال.

ماذا يقول القانون المغربي في مثل ما يعيشه العالم اليوم من تداعيات الحرب على إيران؟

يقول القانون 71 - 09 الصادر سنة 1971، إن "المنتجات البترولية والحبوب والمواد الغذائية الأساسية والأدوية وكل المواد الحيوية الأخرى، توفرها بمخزون يغطي احتياجات 60 يوما، مفروض على كل الشركات والمؤسسات التي تستثمر فيها، ويخضع هذا المخزون لمراقبة السلطات الإدارية المختصة، بل يمكن للدولة إلزام الشركات بالتصريح بالكميات المخزنة وبأماكن تخزينها".

 هل تم تطبيقه؟

للإجابة، نحتاج إلى العودة لبلاغ وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، الصادر يوم 5 مارس الجاري.

ماذا جاء فيه؟

فقرة إنشائية لا غير، هي: "الوزارة تقوم بشكل يومي بمراقبة وضعية المخزونات الوطنية من الطاقة بدقة، بهدف ضمان تلبية الحاجيات الوطنية في أفضل الظروف، مؤكدة أنها ستواصل إطلاع الرأي العام على مختلف المستجدات المرتبطة بتطورات الظرفية الدولية".

منذ صدور البلاغ، وإلى اليوم، لم تُطلع الوزارة، ولا الحكومة ولا رئيسها عزيز أخنوش (أكبر مستثمر في سوق المحروقات بالمغرب)، المغاربة على ما وعدتهم به.

من تكلف بمهمة الإطلاع، هم إخوان أخنوش في الحرفة، عبر إعلان زيادة في أسعار المحروقات بدرهمين كاملين.

هكذا، وبدون مقدمات ولا توضيحات ولا حتى محاولة شرح، يعبئ المغاربة، منذ مساء يوم أمس، سياراتهم بوقود، لا يعرفون هل تم تخزينه قبل شماعة أزمة مضيق هرمز أم بعدها؟

مغاربة يؤدون "ارتفاع أسعار النفط" عالميا بدرهمين في حينه، وفي المقابل يستفيدون من فتات خفضه بعد ثلاثة أشهر!

هذه الضبابية عن سبق إصرار وترصد تعيدنا لانطلاق القانون. هنا نعود للصادر سنة 1973 تحت رقم 255-72-1، والذي جاء في فصله الـ7 أن "الشركات التي لا تلتزم بضمان مخزون استراتيجي يدوم 60 يوما من المواد السالف ذكرها، تُطبق عليها غرامات مالية أو عقوبات زجرية أو سحب الترخيص في الحالات الخطيرة".

أحاول بعد قراءة الفصل الـ7 تخيُل رئيس الحكومة يعاقب باطرون المحروقات عزيز أخنوش، لأن الأخير وإخوانه في الحرفة لم يصرحوا بحجم المخزون الاستراتيجي للمغرب من المحروقات.

لنترك الخيال جانبا، ونعد للواقع، بطرح سؤال آخر: هل فعلا كل واردات المغرب من المواد البترولية تعتمد على الناقلات العابرة لـ"مضيق هرمز"؟

الجواب: لا!

لماذا؟

حسب أرقام رسمية، ارتفعت واردات المغرب من المشتقات النفطية الروسية خلال العام 2025 لتصل إلى حوالي 188 ألف طن. رقمٌ صغير بالنظر إلى احتياجات المغرب السنوية من الواردات البترولية، نعم، هنا نتحدث عن الأرقام الرسمية فقط.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن المملكة أصبحت، مطلع العام الجاري، أكبر مستورد إفريقي للمنتجات النفطية من روسيا. تصاعد دُشن منذ العام 2023. ودون إسقاط أن النفط الروسي، ظل يباع لسنوات، بسبب العقوبات الغربية الناجمة عن أزمة الحرب على أوكرانيا، بسعر يقل بما بين 10 إلى 20 دولارا للبرميل مقارنة بالأسعار المحددة دوليا.

سؤال آخر: هل تتضرر صادرات النفط الروسي نحو العالم إن أغلق مضيق هرمز بشكل نهائي؟

الجواب مرة أخرى: لا!

لأن روسيا تصدر نفطها إما مباشرة أو عن طريق وسطاء عبر ثلاثة منافذ بحرية هي: ميناء "نوفورسيسك" (البحر الأسود)، ميناءا "بريمورسك" و"أوست-لوغا" (بحر البلطيق) وأخيرا ميناء "كوزمينو" (المحيط الهادي).

وكل السفن التي تُبحر من موانئ روسيا، إما بشكل مباشر وعبر وسطاء نحو وجهات التصدير، تسلك ممرات نحو آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وشمال إفريقيا، إما عبر "بحر الشمال" أو "قناة السويس" أو "رأس الرجاء الصالح".

هذا دون إغفال رقم مهم في المعادلة ككل، وهي أن تجارة النفط عبر "مضيق هرمز" تشكل نسبة الـ20 في المائة فقط، علاوة على أن ما يتم تسويقه في عرض البحار والمحيطات من نفط روسي، دون تقييده في السجلات الرسمية، أكبر بكثير.

هنا، نستحضر آخر التقارير الصادرة عن منصات تتبع ورصد ناقلات النفط حول العالم، مثل منصتي "Kpler" و"Vortexa"، اللتين تشيران، حسب تقارير دورية، إلى أن روسيا تسوق منتجاتها النفطية بـ"طرق احتيالية" بنسبة تقارب الـ50 في المائة، منذ تطبيق العقوبات الغربية عليها عام 2022، حيث لجأت لتصريف النفط عبر ما أصبح يعرف دوليا بـ"أسطول الظل" الذي يضم مئات الناقلات غير المسجلة.

الأكيد أن شركات المحروقات بالمغرب يصلها نصيبها من هذه الغنيمة، سواء بطرق مباشرة أو غير مباشرة. وإن لم يصلها، فإن المغرب  لا يعتمد بالأساس بشكل كلي على الواردات البترولية التي تمر عبر "المضيق المفخخ"، بل إن ما يفوق الـ70 في المائة منها تصل الموانئ المغربية من مصافي إسبانيا وهولندا وإيطاليا، بالإضافة إلى نسبة ضخمة من احتياجات "المازوط" القادمة من أمريكا عبر المحيط الأطلسي.

هذا يعني، بناء على كل ما سبق، أن وصف الغنيمة قائم.

وكما قلنا في بداية المقال، إن حقيقة ما يقع في المغرب مع كل "أزمة محروقات" مُعلنة تتجاوز "شماعة مضيق هرمز"، لأن "فراقشية المحروقات"، المغاربة منهم والأجناب، يكنزون الأرباح أضعافا مضاعفة منذ سنوات، بتنوع المصادر وبفضل هوامش ربح "أسطول الظل".

مواضيع ذات صلة