إلياس غاني (صحافي متدرب)
لم تكن بداية الأسبوع الجاري فأل خير على الكثير من المغاربة، فمنهم من أمضى الليل يبحث عن محطة وقود ليملأ خزان سيارته قبل زيادة الأسعار، ومنهم من بقي ينتظر صباح اليوم الموالي، ليواجه عداد البنزين وحيدا، بلا حكومة، وبلا مؤسسات يفترض أنها موجودة لحماية جيبه من تآمر رأس المال.
منذ تحرير أسعار المحروقات عام 2015، أصبحت العلاقة مباشرة بين المستهلك وشركات المحروقات، ما جعل الدور الرقابي لمجلس المنافسة حاسما لضبط السوق. ومع ذلك، ما يحدث اليوم في سوق المحروقات يجعل العديد من الفاعلين في القطاع والمتخصصين لا يلمسون هذه الرقابة.
فمن يحمي المواطن المغربي من شبهات تواطؤ شركات المحروقات؟
عفوتم وعدنا
في نونبر 2023، أصدر مجلس المنافسة قراره القاضي بتغريم تسع شركات للمحروقات وجمعيتها المهنية مبلغا تصالحيا بلغ 1.84 مليار درهم، لطي ملف "الممارسات المنافية للمنافسة". اعتبر هذا القرار حينها تدخلا مؤسساتيا لضبط سوق المحروقات ومحاولة لإنهاء شبهات التواطؤ. غير أن القفزة الحالية في الأسعار (مارس 2026) تعيد إحياء النقاش حول هذا الملف، وتضع الفعالية الردعية لتلك الغرامات موضع تساؤل.
الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، وضع هذه الفاعلية الردعية لتلك الغرامات موضع تساؤل، ففي نظره تمثل الزيادة الأخيرة، التي بلغت 20 في المائة دفعة واحدة، عودة للممارسات السابقة، يقول: "لو تم زجر هذه الشركات منذ البداية لما عادت لممارسة ما أدينت به مرة أخرى، وعلى مدى سنتين، يواصل المجلس إصدار تقارير إنشائية، لكنه لم يوضح بعد ما إذا كانت الممارسات المتواطئة مستمرة أم انتهت".
"شبهة تواطؤ"
وبخصوص الزيادة الأخيرة، صرح أحمد رحو، رئيس مجلس المنافسة، وفق ما نقلته وسائل إعلام، أن تقارب أسعار المحروقات أو تحديد زيادات متزامنة بين مختلف محطات الوقود "لا يعني بالضرورة وجود تواطؤ بين الفاعلين في القطاع". لكن اليماني نفى هذا التفسير، مؤكدا أن الواقع يثبت خلاف ذلك.
في حديثه لـ"تيلكيل عربي" لم يقبل الحسين اليماني الحديث عن شبهة تواطؤ بل اعتبره تواطؤا قائما بالفعل، وقد "أقرته شركات المحروقات بنفسها حين لجأت سنة 2023 إلى مسطرة التسوية التصالحية مع مجلس المنافسة، مما يعكس اعترافها المسبق بالتفاهم حول الأسعار"، على حد قوله.
وأضاف أن "أحد أعضاء مجلس المنافسة صرح خلال مرور إذاعي وبشكل صريح، أن الممارسات الحالية للشركات تتنافى مع قانون المنافسة".
اليماني قال إن سوق المحروقات شهدت تقلبات دولية حادة خلال فترات متفرقة، حيث ظل السعر متغيرا باستمرار. وأوضح أن كل شركة تستورد بمفردها وفق السعر السائد وقت الشراء، والذي غالبا ما يتغير بعد لحظات، ومع ذلك، عند بيعها للمواطن، يبدو أن جميع الشركات تتفق على نفس السعر للبيع النهائي.
كما تساءل اليماني حول السوق السوداء، مشيرا إلى أن المحروقات تتوفر فيها بتخفيضات تتراوح بين 1.5 و2 درهم للتر، مما يطرح السؤال حول هوامش الربح الحقيقية للشركات.
تعطيل آليات التسقيف
من جهته، استغرب الباحث والمتخصص في قانون الأعمال والاقتصاد، بدر زاهر الأزرق، سبب إحجام الحكومة عن تفعيل آلية التسقيف خلال الأزمات. ورأى أن لجوء الحكومة لدعم المهنيين فقط بدلا من تسقيف الأسعار للعموم، يضعنا أمام تساؤلات حول طبيعة الضغوط التي تمارسها "اللوبيات" الاقتصادية المرتبطة بالقطاع.
وأشار الأزرق إلى احتمالية وجود تضارب في المصالح، نظرا لأن الحكومة تتشكل من أحزاب تضم في صفوفها أرباب مقاولات في قطاع المحروقات، معتبرا أن "المعارضة تتحمل مسؤوليتها عن هذا الضعف الرقابي".
تجدر الإشارة إلى أن قانون حرية الأسعار والمنافسة يمنح الحكومة حصريا صلاحية تسقيف الأسعار مؤقتا، وفق شروط دقيقة، من بينها وجود ظروف استثنائية أو وضعية غير عادية، بعد استشارة مجلس المنافسة. كما يحق للمجلس أن يتقدم برأي بشكل ذاتي للحكومة، ليساعدها على اتخاذ الإجراءات المناسبة.
مجلس المنافسة الشرطي الصامت
تساءل بدر زاهر الأزرق حول الدور الفعلي لمجلس المنافسة ومؤسسات الرقابة الأخرى في تتبع هذه الزيادات، والوقوف على أسبابها ومدى شرعيتها، بالنسبة إليه صمت هذه المؤسسات يغذي شبهة التواطؤ بين كبار الموزعين.
ويرى الأزرق أن الفجوة تزداد اتساعا بين تصريحات الحكومة التي تؤكد توفر مخزون استراتيجي بأسعار ما قبل الأزمة، وبين الواقع الذي يفرض على المواطن تحمل زيادات فورية لا تعكس واقع العقود الآجلة أو تكاليف الاستيراد الحقيقية. ومجلس منافسة لا يمارس صلاحياته الدستورية.
ومن جانبه، عاد اليماني، الكاتب العام لنقابة البترول والغاز، ليعتبر أن مجلس المنافسة أصبح هيئة دستورية "فقدت مصداقيتها" في تدبير هذا الملف. وأشار إلى أن "المجلس في عهد رحو تخلى عن دوره التقريري ليتحول إلى هيئة استشارية تدافع عن الشركات، متراجعا عن تطبيق الغرامات الزجرية المنصوص عليها قانونا خوفا من ردود الأفعال".
وربط هذا التراجع بـ"توجه حكومي عام يتعامل مع مؤسسات الحكامة كجهات معارضة ويهدف إلى تهميشها وإضعاف أدوارها الرقابية".
وأمام هذا الفشل، اقترح اليماني سحب ملف المحروقات من المجلس، وتأسيس وكالة وطنية مستقلة لضبط ومراقبة المنتجات البترولية، على غرار الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات.
وخلص الأزرق إلى أننا لم نعد أمام مجرد أزمة عابرة في قطاع المحروقات، بل أمام "مشكل بنيوي" يكرس عجز المؤسسات والحكومة عن كبح جماح الشركات.
وشدد على أن المغرب ليس بحاجة لنصوص قانونية جديدة أو مؤسسات إضافية، بل هو بحاجة ماسة إلى إرادة سياسية قادرة على فرض إرادة الدولة وحماية القدرة الشرائية. وتوسيع صلاحيات مجلس المنافسة لضبط المشهد بشكل حقيقي. إضافة إلى تفعيل مبدأ المقايسة بشكل يعكس واقع السوق الدولي بدقة.
وحذر الأستاذ في جامعة الحسن الثاني في ختام تحليله من أن أي "عبث بمنظومة الاستيراد والتسويق" ستكون له انعكاسات كارثية على أداء الاقتصاد المغربي ككل.