أمام المنافسة المصرية.. هل يرسخ المغرب مكانته السياحية؟

خديجة قدوري

وسط تحديات الأزمات الإقليمية والتقلبات الاقتصادية العالمية، يظل القطاع السياحي أحد المؤشرات الحيوية لقدرة الدول على الصمود وتعزيز مكانتها الدولية. وفي هذا السياق، يبرز المغرب كوجهة سياحية مستقرة وآمنة، تعمل على تطوير عروضها وتنويع منتجاتها، سواء على المستوى الدولي أو المحلي، لتلبية تطلعات السياح وتعزيز مداخيل العملة الصعبة، ما يجعل القطاع السياحي المغربي نموذجا للمرونة والتكيف أمام التحديات الراهنة.

تداعيات النزاعات على السفر والسياحة

 في هذا الصدد، أفاد الزوبير بوحوت، الخبير السياحي، أن الحروب والأزمات المرتبطة بالإرهاب والنزاعات المسلحة لا تخدم السياحة العالمية، بصفة عامة، لعدة أسباب. من بينها حالة الحرب في الشرق الأوسط التي تؤدي إلى ارتفاع أسعار البترول، ما ينعكس بشكل مباشر على تكلفة تذاكر السفر، وأسعار المحروقات، وكذا المواد الأساسية التي تدخل في صناعة المنتوج السياحي.

وأوضح بوحوت، في تصريح ل"تيلكيل عربي"، أن هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى ارتفاع تكلفة العرض السياحي والتجربة السياحية بشكل عام. وفي المقابل، ومع وجود ضغوط تضخمية على المواطن أو السائح المحتمل، تتراجع قدرة الأخير على الادخار والتخطيط للسفر، مما قد يدفع البعض إلى العدول عن السفر، أو تقليص مدته، أو خفض ميزانيته.

المغرب والسياحة بين الأمان والتحديات

وأبرز بوحوت، في معرض حديثه، أنه في حالة المغرب، وبالإضافة إلى العوامل الاقتصادية، تبرز كذلك العوامل النفسية التي تؤثر على السائح، على اعتبار أن هذا الأخير يفضل التوجه نحو الوجهات الآمنة والمستقرة.

وأضاف أنه يمكن للمغرب، باعتباره بلدا مستقرا وآمنا، أن يستفيد من هذه التمثلات لدى السياح، خاصة أولئك الذين يفضلون زيارة مناطق شمال إفريقيا والعالم العربي، حيث قد يحظى بأولوية أكبر بفضل عامل القرب من الأسواق، مما يعزز من فرص استقطابه لهؤلاء السياح.

وأشار إلى أنه بعد ذلك يطرح سؤال الوجهات السياحية التي يمكن أن يستقطب منها المغرب السياح المحتملين الذين كانوا سيتوجهون إليها، وما إذا كان يتوفر على نفس المنتوج السياحي القادر على جذبهم. موضحا أنه إذا تم الحديث عن مصر، فإن هناك نقاط التقاء على مستوى المنتوج الثقافي، حيث يعرف المغرب بحضارته العريقة وتراثه المعماري ومدنه التاريخية، في حين تتوفر مصر بدورها على مؤهلات مماثلة، من قبيل الأهرامات والمدن التاريخية، ما يبرز وجود قواسم مشتركة يمكن البناء عليها في استقطاب هذا النوع من السياح.

وكشف بوحوت أن مصر تتمتع، في المقابل، بقوة واضحة في المنتوج الشاطئي، وهو ما يفرض على المغرب، على المديين المتوسط والبعيد، ضرورة تطوير عرضه في هذا المجال، خاصة وأنه لا يزال يسجل بعض مظاهر الضعف على هذا المستوى. وأوضح أن الدول الكبرى المصدرة لهذا النوع من السياح ما تزال تمنح الأولوية لمصر، من قبيل روسيا وألمانيا، التي توفد أعدادا أكبر من السياح إليها مقارنة بالمغرب في الحالات العادية، مضيفا أن المجهود الاستثماري الذي يقوم به المغرب اليوم، والذي تقوده الشركة المغربية للهندسة السياحية، يكتسي أهمية كبيرة من أجل تعزيز هذا العرض وتطويره.

المغرب يواكب مصر في جذب السياح

في هذا الإطار، لفت الخبير السياحي الانتباه إلى أن هناك برامج للدعم، مبرزا في هذا السياق ميثاق الاستثمار الجديد الذي يمنح تحفيزات قد تصل إلى 30 في المائة لفائدة المستثمرين، وهو ما يشكل عاملا محفزا لمن يبحث عن فرص استثمارية مدعومة. كما أشار إلى برنامج "كاب هوسبيتاليتي" الذي تم إحداثه لمساعدة المنعشين على اقتناء الفنادق المغلقة وإعادة تحويلها إلى مؤسسات منتجة، بما يساهم في رفع الطاقة الاستيعابية، مع إمكانية الاستفادة من قروض بدون فوائد (بـ0 درهم)، وهو ما يعزز جاذبية القطاع السياحي للاستثمار.

وأضاف أن برنامج "كاب هوسبيتاليتي" يتميز بكونه لا يفرض ضغطا على العقار أو الحاجة إلى البحث عن أوعية عقارية جديدة، إذ إن مختلف المدن المغربية تتوفر على فنادق مغلقة توجد في مواقع مهمة جدا. وأوضح أن العقار متوفر بالفعل، وما يلزم أساسا هو توفير التمويل من أجل إعادة تشغيل هذه الوحدات وتجديد البنيات التحتية المرتبطة بالاستقبال، بما يمكن من إعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية وتعزيز العرض السياحي.

وأوضح أن هذا المجهود الاستثماري يكتسي أهمية كبيرة، باعتباره الكفيل بتمكين المغرب من تعزيز مكانته واحتلال مراتب متقدمة والحفاظ عليها في ظل المنافسة القائمة، خاصة مع مصر، كما سيساهم في رفع مداخيل العملة الصعبة، وهو ما يشكل الهدف الأساسي، من خلال تحقيق توازن بين استقطاب أعداد مهمة من السياح وضمان مداخيل تتماشى مع هذا التدفق السياحي.

تعزيز السياحة الدولية والداخلية

كشف بوحوت أنه عندما يتمكن بلد، رغم هذه الأزمات، من الحفاظ على استمرارية نشاطه السياحي وعلى إشعاعه الدولي، فإنه يرسخ مكانته كوجهة آمنة، ويبرز مرونة القطاع السياحي لديه، ما يعزز أكثر صورته ويرفع تنقيطه لدى المنعشين السياحيين وكذلك لدى السياح والمستهلكين المحتملين. وأضاف أنه مع مرور سنة 2026، وإذا تمكن المغرب من الحفاظ على هذا الأداء رغم سياق الحروب، فإن ذلك سيعطي مؤشرا واضحا على أنه رسخ مكانته كبلد سياحي قادر على الصمود والتنافس.

وشدد على أنه يتعين على المسؤولين الاستمرار في العمل على ثلاث واجهات أساسية في ما يتعلق بالسياحة الدولية، أولاها مواصلة جهود التنشيط والترويج وتعزيز الحضور في المعارض الدولية، وهو الدور الذي يضطلع به المكتب الوطني المغربي للسياحة، لما له من أثر في دعم الإشعاع السياحي للمغرب. وثانيها تقوية النقل الجوي والاستعداد لتوسيعه، خاصة في اتجاه الأسواق الكبرى الصاعدة، من قبيل الصين والهند والبرازيل والولايات المتحدة الأمريكية، بما يواكب تطور الطلب السياحي العالمي ويعزز جاذبية الوجهة المغربية.

وخلص إلى أن الأمر المهم والأساسي يكمن في تقوية العرض السياحي، عبر توفير قاعدة متينة من المؤسسات المهيأة للاستقبال، وتعزيز المنتوج الشاطئي، وتنمية السياحة القروية والثقافية، وضمان انتشار هذا العرض على مستوى مختلف جهات المملكة. وأوضح أن هذه العوامل مجتمعة من شأنها أن ترسخ مكانة المغرب كوجهة سياحية آمنة.

وفي المقابل، وبمنظور احترازي، يجب، حسب المتحدث، إيلاء اهتمام خاص بالسياحة الداخلية، من خلال تطوير عروض موجهة للمواطن المغربي بتكلفة مناسبة وتتوافق مع عاداته الاستهلاكية وتطلعاته، مع التأكيد على أن العروض التسويقية لا ينبغي أن تكون ظرفية، بل مستمرة ودائمة، مما يفرض توافر منتوج سياحي مخصص ومتكامل للسياحة الداخلية أيضا.