عبد الحي الديوري.. الحاضر الغائب

تيل كيل عربي

شهرزاد عجرودي

بين الأزقة الضيقة في فاس ونتوءات جدرانها العتيقة. في مدينة تحفظ الذاكرة في طبقاتٍ خفيفة، وتُمهل العابرين وقتًا كافيًا ليضعوا أيديهم على كتف الغيم.

ولد الفنان التشكيلي والأنثروبولوجي عبد الحي الديوري ذات يوم ربيعي من عام 1947.

مرهفا، عميقًا وممتدًا، مثل ظلّ عابر على جدارٍ قديم، أوصوتُ ماءٍ بارد وسط فناءٍ صامت.

بدأت رحلته في الحياة تأخذ شكلها المعرفي. حيث انتقل من فاس إلى جامعة محمد الخامس في الرباط، لدراسة الفلسفة، ثم الحصول على ماجستير في المنطق وعلم الاجتماع. ومن هناك إلى فرنسا لمناقشة بحث الدكتوراه في جامعة السربون، حول موضوع "الجذبة والكتابة"، « La transe et l’ecriture» وهو بحث أنثروبولوجي امتد لعشر سنوات، اقترب فيه من تجربة "كناوة"، وكان بذلك من أهم وأبرز الباحثين المغاربة الذين تناولوا موضوع الثقافة الشعبية، بتأطير من أستاذه "رولان بارت".

وما لا يعرفه كثيرون، أن عبد الحي الديوري كان من أوائل الذين مهدوا الطريق لولادة مهرجان كناوة بالصويرة، قبل أن يصير هذا الحدث موعدًا عالميًا يضيء المدينة كل صيف.  وقد ساعده في ذلك قربه من المعلمين الكناويين وأبرزهم المعلم "الصام".

كما أّثر في ثلة من الشباب المحيطين به أنذاك ومن بينهم "موليم العروسي".

يقول عبد الحي وهو يصف جزءا من طفولته المبتلة بصمت الأزقة الطويلة في فاس: "كان المراهق الذي كنته، يقسم دراهم الأسبوع بين أنابيب الطلاء الزيتي من دكان فرنسي بدار الدبيبغ، وكتب الجيب عند السي سعيد في حي الصوافين بالمدينة العتيقة".

يستعيد الديوري تلك اللحظة كما لو كانت تفصيلًا صغيرًا. لكنها في العمق، بداية انقسام هادئ لمسار حياة طويل وممتلئ.

وستجد هذه البدايات الصغيرة، امتدادها الأول في تجاربه الفنية المبكرة، حيث أقام أول معرض له في طنجة عام 1974، أطلق عليه اسم "أبيض / أسود" واستنفد فيه كما بدا له آنذاك، كل ما يمكن استكشافه عن الحبر الأسود الصيني «Encre de chine»، تلاه معرض ثان في الرباط عام 1985 بعنوان"باب الصماغ"، وقد استقى مادته من حبر لمسيد. لم يكن هذا الحبر مجرد سواد، بل أثر أصابع غُمرت في طفولة بعيدة. بينما شكّلت المرحلة الممتدة بين سنتي 1989 و2008، أهم محطة في مساره الإبداعي. حيث عاد إلى ذاكرته الطفولية، في البيت الذي وُلد فيه، حتى صار هذا البيت جسده الثاني.

رسم غرفه ذات السقوف العالية، أبوابه، عتباته والفناء الفسيح وسطه، الزليج البلدي الذي كان يغمره، البئر في قبو الدار، السطوان والأدرج التي كان يختبئ فيها من صرامة الأب، المعلم الزلايجي الذي ورث عنه حب الألوان. ثم النافورة التي كان يسبح فيها رفقة طفلة أحبها، ورؤيته الأولى للدرب وهو لم يبلغ الخامسة من عمره. اختار هذا السن كحد أقصى لمجال اشتغاله.

تسعة عشر سنة من الغوص والاحتراق الصامت.

لم يكن عبد الحي الديوري يرسم البيت. بل ما فعله هذا البيت به. حتى قال بعض النقاد: تمثل أعمال تلك الحقبة تحليلا نفسيا غير مسبوق للفضاء «une psychanalyse de l’espace».

شوهدت هذه اللوحات لأول مرة في الرباط عام 2004، قبل أن تجوب مدنًا مغربية وعالمية شملت كلا من ألمانيا، إيطاليا، فرنسا، إنجلترا، جنوب إفريقيا والولايات المتحدة.

ظل سؤال المحيط الاجتماعي والثقافي حاضرًا معه في تكويناته الفنية والنظرية. وتزامنت هذه المرحلة مع مشروع فكري كبير تمثل في إطلاق درس شهري في المعهد الجامعي للبحث العلمي بجامعة محمد الخامس في الرباط.

حمل هذا الدرس عنوان "الرمزي"، «Le séminaire du symbolique» وجمع باحثين مغاربة وزوارًا أجانب من تخصصات متعددة، اللسانيات، التاريخ، الأنثروبولوجيا، الفلسفة، الإبداع الفني، الاقتصاد والسياسة... وامتدت هذه التجربة ل 20 سنة كاملة.

لكن، بعيدًا عن هذا الضوء الفكري المتسع، كان الزمن، بهدوئه الخادع، يتهيأ لاقتلاع صفحة كاملة من حياته.

حيث عبر لاحقا تجربة قاسية، وُصفت بالكارثية، وأثرت عميقا في مساره واختياراته الفنية والفكرية. فبعد سنوات من البحث العلمي والميداني حول موضوع الطب التقليدي في المغرب، مستلهمًا أدوات الاشتغال فيه من تجربته في العمل إلى جانب عالم الاجتماع بول باسكون، أنجز عبد الحي الديوري كتابًا باللغة الإنجليزية، جرى توثيقه في جامعة هارفرد، التي كان يقيم فيها كأستاذ باحث، وكانت جامعة شيكاغو قد صادقت على نشره. لكن المخطوط ضاع منه بطريقة مهولة في مطار كينيدي بنيويورك أثناء عودته إلى المغرب.

ساهم هذا الحادث المؤلم، إلى جانب خيبات أمل كثيرة، وتوترات مع بعض أصدقائه ومن بينهم عبد الكبير الخطيبي، في انكماشه على نفسه، والتوجه بشكل لافت نحو الفن التشكيلي على حساب البحث العلمي والأكاديمي.

ساعدته مدة إقامته في أمريكا، والتي بلغت سبع سنوات، قضى جزءا كبيرا منها في معهد "برينستون"، على اكتشاف أعمال التعبيريين الجددLes Néo expressionnistes «   »من صباغة ونحت ونُصُب. وأصبح مهووسا بالبحث والدراسة في موضوع الذكاء الاصطناعي، كما أصبح لانشغاله هذا طقس جديد تميز بزيارة "بيينال فينيسيا" بإيطاليا كل سنتين، ومهرجان "كاسِل" بألمانيا كل خمس سنوات، كواجب لتنمية مؤهلاته البصرية وإعادة تكوينها.

وأثر اهتمامه بهذا الموضوع على توجه درس "الرمزي" الشهري في الجامعة، واهتمامات المشاركين فيه، كما انعكس على أعماله الإبداعية والفنية، ونتج عنه معرض "آرت كلاش"، الذي عرض في رواق باب الرواح في مايو 2013. جمع المعرض أشكالا تعبيرية تجاورت فيها المنحوتات، الفوتوغرافيا وإعادة تدوير المتلاشيات الإلكترونية. ليتم بناؤها على شكل حائط رقمي ضخم في ساحة المكتبة الوطنية في الرباط.

لقد مثل هذا الجدار بالنسبة له وللكثيرين امتدادا أو مقابلا لما وضع على رفوف المكتبة. واليوم، يواصل هذا العمل الفني تحوّله، متخذا شكل مجسم متعدد الأوجه « »Polyèdr، صلب، رباعي الأبعاد، رقمي، كثيف، ضخم، يدور ببطء… ويتغذّى من ضوء الشمس.

لا يصدق الجالس إلى جوار عبد الحي الديوري أن هذا الهدوء الخفيف يخفي وراءه مسارًا حافلًا بلقاءاتٍ شكّلت جزءًا من الذاكرة الحية للفكر والثقافة المعاصرين. فداخل هذا الصمت المتأمل، مرّت أسماء كبيرة، واقترن اسمه بصداقات جمعته بمفكرين ومثقفين عالميين، من بينهم جاك دريدا، رولان بارت، بول باسكون، إدمون عمران المالح، محمد برادة، ليلى شهيد، عباس صلادي، عبد الأحد السبتي والمؤرخ الراحل عبد الرحمن المودن... إلى جانب عدد كبير من الشعراء، المفكرين، الكتاب وفنانين تشكيليين مغاربة وأجانب...

لكن أكثر هذه اللحظات طرافةً ودهشة، ارتبطت بعلاقته القريبة من صديقته الراحلة فاطمة المرنيسي، التي أقدمت ذات يوم، في لحظة عفوية تشبه مزاجها الحرّ، على اصطحاب صديقها الرسام الإسباني "فيليبي غونثاليث ماركيث"، وكان آنذاك رئيسًا لوزراء إسبانيا، إلى بيت عبد الحي ومرسمه في الهرهورة.

كان البيت هادئًا كعادته، مفتوحًا على البحر والضوء، قبل أن يتحوّل فجأة إلى نقطة ارتباك أمني، حيث طوّقت الولاية والسلطات المكان بحراسة مشددة، في مشهدٍ بدا طريفا وسرياليا، التقطه لاحقًا وأعاد تمثيله المخرج السينمائي عبد الرحمن التازي في فيلمه عن فاطمة المرنيسي، "السلطانة غير المنسية".

وفي زمنٍ تُثبّت فيه الصورةُ الوجوهَ وتمنحها يقينًا سريعًا، يبدو عبد الحي الديوري وكأنّه يخشى أن تُغلق الصورة ما ظلّ في تجربته مفتوحًا، مفضّلًا هشاشة العبور على يقين الظهور.

وعلى عكس ما تقوله الأسطورة عن "نرجس"، لا يبحث عبد الحي عن صورته في الماء، بل يترك الماء صافياً… ويمضي.

مواضيع ذات صلة