تعد المشاريع الكبرى، ولا سيما ذات الطابع الثقافي والفني، من أكثر الأوراش تعقيدا في السياسات العمومية الحديثة، لما تستلزمه من تعبئة متعددة المستويات للموارد، وتنسيق مؤسساتي بين فاعلين متنوعين، وتداخل معقد بين الأبعاد التقنية والمالية والجمالية والرمزية، غير أن جوهر هذه المشاريع لا يكمن فقط في حجمها أو كلفتها أو تعقيدها التنفيذي، بل في انبثاقها من رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
وفي هذا الإطار، تتجاوز هذه المشاريع كونها مجرد استجابة لحاجيات آنية، التي لها أهميتها وفق سياقاتها الخاصة، لتتحول إلى أدوات لإعادة تشكيل المجال وإنتاج المعنى داخل الفضاء العمومي.
وتنطلق رؤية الملك محمد السادس من إيمان عميق بأن الثقافة ليست مجرد قطاع ترفيهي أو ثانوي، بل محرك استراتيجي يضع "الإنسان" في صلب التنمية، عبر ضمان الولوج إلى الحقوق الثقافية وتعزيز السيادة الحضارية للمغرب كقطب يربط بين القارة الإفريقية والفضاء المتوسطي.
وتجسد هذا المنحى بوضوح في تدشين المسرح الملكي بالرباط، يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، بحضور الأميرات للا خديجة، وللا مريم، وللا حسناء، والسيدة الأولى الفرنسية بريجيت ماكرون، باعتباره تجسيدا حيا للسياسة الثقافية التي أطلقها الملك محمد السادس لتعزيز مكانة العاصمة ك"مدينة للأنوار" وقطب للإشعاع الفني ذي بعد دولي.
ويؤكد حضور شخصيات دولية رفيعة المستوى لهذا التدشين أن المسرح الملكي ليس مجرد مرفق محلي، بل منصة للدبلوماسية الثقافية، تروم تموقع المغرب كجسر حضاري بين القارات، وتعزيز إشعاعه كقوة ناعمة في المحافل الدولية.
ويتموقع هذا الصرح الثقافي على ضفاف نهر أبي رقراق، في موقع استراتيجي يربط بين أبرز المعالم التاريخية والحضرية للعاصمة، مثل صومعة حسان وضريح محمد الخامس.
ويكرس التصميم المعماري الانسيابي للراحلة زها حديد مفهوم "السيولة الحضرية"، حيث يكسر بجمالياته المعاصرة الحدود التقليدية بين البناء والفضاء الطبيعي للنهر، مما يخلق تجربة بصرية تمزج بين طموحات المستقبل وعراقة التاريخ المحيط بالموقع.
ويعكس المسرح الملكي إرادة واضحة لتطوير البنية التحتية، والانتقال نحو هيكلة فعلية لقطاع الصناعات الثقافية والإبداعية، من خلال توفير فضاء حديث مجهز بأحدث التقنيات في مجالي الصوتيات والسينوغرافيا، بما يتيح احتضان عروض فنية كبرى وفق معايير عالمية.
وفي هذا الصدد، أوضح نائب المدير العام والمدير الفني للمسرح الملكي بالرباط، إبراهيم المزند، أن هذا الصرح يمثل رمزا للجرأة المعمارية والطموح الثقافي، انسجاما مع الرؤية الملكية، مؤكدا أن هذه اللحظة الاستثنائية تشكل محطة رئيسية في مسار التنمية والإشعاع.
وأضاف أن المسرح يضم قاعة كبرى تتسع لـ1800 مقعد، بالإضافة إلى "مدرج الملك محمد السادس" الخارجي، الذي يتسع ل7000 مقعد ويشكل فضاء رحبا للعروض الجماهيرية تحت سماء العاصمة.
وأبرز أن العرض الافتتاحي، الذي أحيته نخبة من مئة فنان مغربي، قدم مزيجا من الأعمال الكلاسيكية والإبداعات الوطنية في تجربة تعكس التوازن بين الأصالة والانفتاح، ويروم هذا المشروع دعم الإبداع الفني الوطني وفتح آفاق جديدة أمام الفنانين المغاربة للإنتاج والتعبير، فضلا عن تعزيز التبادل الثقافي والانفتاح على التجارب الدولية.
إن الرؤية التي يحملها هذا الصرح تتجاوز العرض الفني لتصل إلى هيكلة قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية، حيث يسعى، بتوجيهات ملكية، إلى خلق منظومة احترافية توفر للفنان المغربي بنيات تحتية بمعايير دولية، بما يساهم في مأسسة الإبداع وتحويله إلى قطاع منتج للثروة وفرص الشغل، ويعزز مكانة المغرب كوجهة دولية لاحتضان التظاهرات الفنية الكبرى.
ويعتبر توفر المسرح على أحدث التجهيزات التقنية يفتح آفاقا أمام جيل جديد من الصناعات الإبداعية الرقمية، بما يمكنه من التحول إلى فضاء لإنتاج محتوى ثقافي عالي الجودة يمتد إلى المنصات الرقمية العالمية، في انسجام مع متطلبات السيادة الثقافية الرقمية.
ومع دخول هذه المعلمة حيز الخدمة، ينتقل التحدي من مرحلة التشييد إلى مرحلة الحكامة والتدبير المستدام، حيث ينتظر أن يسهم نموذج التسيير المعتمد في ضمان الاستدامة المالية للمرفق، وتحويله إلى منظومة متكاملة تضمن تفعيل مرافقه على مدار السنة.
واعتبر فنانون وفاعلون ثقافيون أن هذه المعلمة تمثل قيمة مضافة ستسهم في إنعاش الاقتصاد الثقافي وتعزيز جاذبية المملكة سياحيا، بما يجعل من الفن رافعة فعلية للتنمية الشاملة.