تخيلوا معي، بعد سنوات قليلة كيف سيبدو عيد الشغل في زمن الذكاء الاصطناعي، شوارع فارغة من الشغيلة وزعماء نقابيون يقرؤون خطبهم الروتينية وسط تصفيقات الطبقة العمالية، في كبريات ساحات مدن.
في المقابل سنرى ملايين الروبوتات منخرطة في النقابات الوطنية وكونفيدراليات للذكاء الاصطناعي، تجوب شارع أبي Chat GPT الدكالي بالبيضاء" و "claude" ساحة السراغنة الافتراضية وغيرها من تطبيقات البرمجة الاتوماتيكية والخوارزميات، روبوتات ترفع لافتات مكتوب عليها شعارات "لنتحد جميعا ضد الغباء البشري" ، "نطالب الحكومة بتحديث الأنظمة و الرفع من سرعة صبيب الأنترنيت"!
هذا المشهد ساخر جدا وربما مبالغ فيه كثيرا، لكنه ليس بعيدا تماما عن الواقع الحالي، الذي بدأت تختفي فيه العديد من المهن و أخرى في الطريق إلى زوال، وستختفي معها آلاف من مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، ليس لأن البشر أصبحوا أقل كفاءة، بل لأن الآلة ومعها البرمجة الأتوماتيكية لم تعد مجرد آداة تقنية فقط بل منظومة متكاملة تواكب التطور الرقمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم، بمردودية تضاعف مردودية الإنسان بعشرات المرات، وتساهم في الربح المضاعف والكثير من الوقت للمقاولات !
في المغرب، مثلا، يهدد الذكاء الاصطناعي حوالي مليون ونصف مليون منصب شغل في أفق 2030 حسب تقرير استراتيجي حديث صدر مؤخرا عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، حيث سيتسبب هذا التهديد بواسطة البرامج التي يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي للقيام بالعديد من الوظائف بشكل أوتوماتيكي في استغناء شبه تام عن الإنسان ومنها خصوصا الخدمات المصرفية والتأمينات التي تعتمد على معالجة البيانات، صناعة السيارات، ناهيك عن مهن السمعي البصري، و تطوير المواقع الالكترونية والتطبيقات والبرمجيات ومهن الاستشارات القانونية وغيرها من المهن الأخرى التي تعتمد على التكنولوجيا الرقمية!
تهديد الذكاء الاصطناعي لمناصب الشغل هو تحول بنيوي حقيقي كباقي التحولات التي طالت العالم منذ قرون، في العديد من المجالات، لذلك فالحل لا يكمن في مواجهة هذا الذكاء الاصطناعي "المخيف" بالتقاعس وممارسة الغباء البشري، بل في التكيف معه وتأهيل الإنسان من خلال التركيز على التعلم والتكوين في المهارات الرقمية، وخلق مسارات وآفاق مهنية جديدة.
قد لا يأتي فعلا يوم نرى فيه الروبوتات تحتفل بعيد الشغل وترفع شعاراتها الساخرة تلك، لكن الأكيد أن أشكال وأساليب وطرق العمل تتغير أمام أعيننا بسرعة البرق، وبين خوفنا المشروع من فقدان الوظائف، والفرص التي يفتحها هذا التحول، يبقى السؤال الحقيقي، هل سنظل نشاهد فقط هذا التحول أمام أعيننا كضحايا هذا التحول، أم سننخرط فيه كفاعلين نصنع لأنفسنا مكانا جديدا وسط هذا العالم المتطور!