دعا امبارك بودرقة، المناضل والحقوقي والمعتقل السياسي السابق وعضو هيئة الإنصاف والمصالحة، إلى إدراج تجربة العدالة الانتقالية وهيئة الإنصاف والمصالحة في المناهج التعليمية، حتى يفتخر بها الجيل الجديد ويطلع عليها، مشيرا إلى وجود كتاب "جامع مانع" يتضمن كل التفاصيل، ومؤكدا أن "الذاكرة هي الوسيلة لمعرفة ما أنجزناه".
مضيق هرمز
وأضاف بودرقة، المعروف زمن سنوات الرصاص بـ"عباس"، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، على هامش المعرض الدولي للنشر والكتاب، أنه "الآن، لقد وصلت إلى الجزء العاشر من أعمال الكاتب الصحفي والمفكر والشاعر محمد باهي الحامل لعنوان يموت الحالم ولا يموت حلمه، وهو ذاكرة ومعجزة، هذا الرجل لم يدخل الجامعة قط، ومع ذلك فإن ما يكتبه لا يتصوره عقل، رجل يقرأ ويقدم لك تحليلات عميقة".
وتابع: "في الجزء العاشر أوردت له مقال يتحدث عن مضيق هرمز منذ عهد ذي القرنين، وكيف جاء البرتغاليون ودور إيران، كان يقول دائما، "العرب لا يقرأون"، وفعلا لو قرأوا للكاتب محمد باهي حرمة، والمقال الذي كتبه سنة 1971، لوجدوه يتحدث فيه عن هرمز ودور إيران وإمارات الخليج، ويقول للعرب إن نظاما قادما يتطلب منكم كذا وكذا".
إحدى التجارب الأرقى عالميا
وأورد صاحب كتاب "بوح الذاكرة وإشهاد الوثيقة"، تقديم وحوار الطيب بياض، في جزأين، أن "تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة هي إحدى تجارب العدالة الانتقالية في العالم، والتي وصفها الأمين العام للأمم المتحدة سنة 2005 بأنها إحدى التجارب الخمس الناجحة في العالم، ولكن يمكننا القول الآن إنها إحدى التجارب الأرقى عالميا، بالنظر إلى وجود أكثر من 50 تجربة للعدالة الانتقالية".
ولفت الانتباه إلى أن "التجربة المغربية تمتاز عن سائر التجارب الأخرى بعدة خصائص، أولا، أن جميع تجارب العدالة الانتقالية السابقة جاءت على أنقاض نظام ديكتاتوري أو عسكري سقط وحل محله نظام جديد، إلا التجربة المغربية فقد نبعت في ظل نفس النظام القائم، وهذه حالة فريدة من نوعها".
وأبرز رفيق درب الراحل عبد الرحمان اليوسفي، ومعد سيرته التي حملت عنوان "أحاديث في ما جرى"، أنها "لا تزال هي التجربة الفريدة في الوطن العربي والعالم الإسلامي، والوحيدة في العالم التي كلف أعضاؤها المنبثقون عن المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بمتابعة نتائجها، ففي التجارب العالمية، تضع الهيئات توصياتها وتترك التنفيذ للحكومة أو لهيئة تشكلها الأمم المتحدة، أما في المغرب، فقد أحدثت داخل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لجنة لمتابعة تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، والتي لا تزال تباشر مهامها حتى الآن، رغم أن العدالة الانتقالية كهيئة انتهت رسميا في 30 شتنبر 2005".
ونبه عضو المؤتمر التأسيسي للمنظمة العربية لحقوق الإنسان (عام 1987) إلى أن "ما يحدث حاليا هو تنفيذ التوصيات، أي أننا لا نجد اليوم ملفا واحدا جديدا يضاف إلى تلك الملفات التي درسناها في مرحلة العدالة الانتقالية، وتجربتنا في الحقيقة هي الأطول زمنيا، إذ غطت الفترة من 1956 إلى 1999، أي قرابة 44 سنة، ولا توجد تجربة في العالم تملك هذا الطول الزمني".
مخاض الفكرة
وأورد أن "الكتاب الذي ألفناه مع الراحل أحمد شوقي بنيوب، الذي يحمل عنوان "كذلك كان.. مذكرات في تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة"، ذكرنا فيه بعض التفاصيل حول كيفية النشأة والتكوين، إذ نبتت الفكرة من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان عبر توصية رفعت إلى الملك محمد السادس، ليقوم بإحداث الهيئة، ومن سوء حظنا أنه، في الوقت الذي كنا نعتزم فيه مناقشة الأمر، وقعت الانفجارات الإرهابية في ماي 2003 بالدار البيضاء، آنذاك، كان يحضر في المجلس وزراء العدل والداخلية والخارجية، وكان وزير العدل حينها هو الراحل محمد بوزوبع".
وأفاد أن "وزير العدل كان محاميا معروفا واتحاديا قضى 10 سنوات في المجلس، وقدم مرافعة طلب فيها تخصيص تلك الجلسة لمناقشة التوصية المزمع رفعها إلى الملك محمد السادس لكنه طلب تأجيل الموضوع نظرا لظروف الإرهاب وتلك المسائل، غير أن عمر عزيمان، الذي كان رئيسا للمجلس، وبحكم أننا وضعنا قانونا داخليا يتضمن مخرجا مفاده أن جدول الأعمال، بمجرد إرساله إلى الملك محمد السادس والموافقة عليه، يصبح نافذا، قال له: "لقد أرسلنا الجدول ووافق عليه الملك محمد السادس وبالتالي سنمضي في تنفيذه"".
وشدد على أن "التجربة موفقة ومتميزة، ونحن نعتبر التعويض نسبيا، لأنه لا يمكن تعويض شخص فقد والده أو شقيقه، فالكرامة لا تقدر بثمن، لذا كان التعويض رمزيا، ولكن الحقيقة هي ما يجب أن يعرف".
وأشار إلى أنه "يؤخذ علينا في التجربة المغربية قول البعض، "لماذا لم تقدموا الجلادين للمحاكمة؟"، نحن لسنا قضاة، وكل ضحية نمنحه مقررا تحكيميا يتضمن اسمه ومكان اعتقاله، ونقول له، إن المسؤول عما أصابك هي الدولة المغربية، وهذا يعني أنه، بدلا من تحميل المسؤولية لخمسة أو ستة جلادين، فإن الدولة بأكملها، بما فيها القضاء، كانت مساهمة في تلك الأحداث".
تجربة الإنصاف والمصالحة إرادة ملكية
وذكر أنه "واجهتنا مسائل صعبة كنا نلجأ فيها إلى التحكيم الملكي، مثلا، كنا بصدد تسميتها "هيئة الحقيقة والمصالحة"، وشكل عمر عزيمان لجنة، ووقع نقاش، فتنازلنا عن كلمة "الحقيقة" لكي نمرر القرار بالإجماع دون الحاجة إلى العودة للتصويت، فسميناها "هيئة الإنصاف والمصالحة"، ولكن عندما استقبلنا الملك محمد السادس في مؤتمر أكادير، قال في كلمته، "أنتم هيئة الحقيقة والإنصاف والمصالحة"، وهكذا أضيفت الكلمة في الجريدة الرسمية وفق هذا التعديل الملكي".
وأشار إلى أنه "كانت هناك كذلك قضية تزمامارت، كانت هناك ثكنة وأراد الجيش إخلاءها، فاتصلنا بالجنرالات الذين أوضحوا أن الجيوش، حين تنسحب، "تمسح" كل شيء ولا تترك أثرا، فطلبنا التحكيم الملكي للإبقاء على ثلاث عمارات، السكان هناك لم يكونوا يجرؤون على إشعال شمعة أو إقامة الأفراح لقرب المعتقل منهم، فأردنا تعويضهم بتلك البنايات (واحدة كمدرسة وأخرى كمركز تكوين)".
وأبرز أن "المسألة الأخرى كانت عند اكتشاف مقبرة الدار البيضاء، حيث قيل لنا إنه لا يمكننا الحفر، كان الملك حينها في اليابان، فطلبنا التحكيم الملكي وجاءنا الرد، بالعمل، وكانت تلك إرادة ملكية، لم يكن هذا الأمر يعجب بعض الدول العربية (الخليجية)، وكانوا يقولون: "إنكم تثيرون علينا المشاكل"".
وأورد أنه "حتى خلال جلسات الاستماع العمومية، كتب رؤساء أحزاب سياسية إلى الملك يصفوننا بـ"الخونة"، ويتساءلون، "كيف لهؤلاء الذين حملوا السلاح أن يصبحوا وطنيين ويحاكموا الملك الراحل الحسن الثاني؟" وطلبوا من الملك إيقاف العملية، لكنه لم يوقفها، بل قال لهم: "بثوها مباشرة"، وحرصنا على أن تكون مباشرة، وكانت تلك شجاعة كبيرة".