"أثر" سعاد الزعتراوي.. عندما تصبح الصحافة "إصغاء للروح" وتوثيقا للذاكرة الجماعية

محمد فرنان

في أمسية ثقافية احتضنها رواق المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، التأم شمل "قبيلة الصحفيين"، وفق تعبير مسير اللقاء عبد الغفور دهشور،  للاحتفاء بمولود أدبي وإعلامي يحمل عنوان "أثر" للصحفية سعاد الزعتراوي.

هذا اللقاء، الذي أداره الكاتب والإعلامي عبد العزيز كوكاس، وسيره عبد الغفور دهشور، المكلف بالنهوض بحقوق الإنسان بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، كان بمثابة رحلة في "المطبخ الداخلي" لصناعة البورتريه التلفزيوني وكيفية تحويله إلى نص أدبي يوثق للذاكرة.

ويضم الكتاب 75 بورتريها اختيرت بعناية من بين أكثر من 300 حلقة تلفزيونية، شملت وجوها بارزة في الفكر والفن والمعمار.

ومن الناحية التقنية والمنهجية، قدم الكتاب ابتكارا يربط الورق بالشاشة عبر تقنية (QR Code)، مما يسمح للقارئ بالانتقال من النص المكتوب إلى البورتريه المصور.

لم تكن مخططا لها

وكشفت سعاد الزعتراوي أثناء تفاعلها مع الصحفي والكاتب عبد العزيز كوكاس أن فكرة تحويل بورتريهات برنامج "ضيف الأحد" إلى كتاب لم تكن مخططا لها، لأنها جاءت بإلحاح من ضيوف البرنامج أنفسهم، من مفكرين وأدباء وفنانين، الذين رأوا في نصوصها "نفسا أدبيا" يتجاوز التقرير الصحفي التقليدي.

وأوضحت الزعتراوي في حديثها الفرق الجوهري بين الوسيطين، قائلة: "التلفزيون إيقاع سريع، هو زمن اللحظة وذاكرته قصيرة، لكن الكتاب يمنح البورتريه عمرا أطول وفرصة أكبر للعمق والهدوء".

ووصف الناقد والكاتب عبد العزيز كوكاس هذا الانتقال بـ"المغامرة" الرامية إلى نقل المرئي والمسموع إلى المكتوب، بحثا عن "عشبة الخلود" التي تنقذ اللحظة العابرة من الزوال، وتمنح الشخصيات حياة أخرى بين دفتي كتاب.

محمد الزعتراوي

غير أن هذا "الأثر" ارتبط بلحظات حزينة، فالكتاب يحمل على غلافه خط شقيقها الراحل الخطاط والمفكر محمد الزعتراوي، الذي وافته المنية قبل صدور العمل بأسابيع.

ونعت الزعتراوي، بكثير من التأثر، الراحل  القاص والناقد السينمائي  عبد النبي دشين، الذي وصفته بـ"راعي العمل"، مؤكدة أنه كان وراء تشجيعها ودفعها إلى إخراج هذه البورتريهات إلى النور.

ووجهت سعاد الزعتراوي رسالة إلى طلبة الصحافة، أكدت فيها أن البورتريه الحقيقي ليس مجرد تجميع لمعطيات "ويكيبيدية" حول تاريخ الميلاد والدراسة، إنما هو "إصغاء للروح وغوص في عمق الشخصية"، داعية إياهم إلى حب هذا الفن لضمان بقاء الأثر.

توثيق للتاريخ

يرى عبد الغفور دهشور أن الأعمال الصحفية من طينة كتاب "أثر" تتجاوز وظيفتها الإعلامية العابرة لتصبح نوعا من "الكتابة المحايثة".

واعتبر أن هذه النصوص تسعف الباحثين والمهتمين في إعادة بناء التاريخ الاجتماعي للمغرب بطريقة غير مباشرة، حيث تتحول ذكريات المبدعين ومساراتهم الشخصية الموثقة في البورتريهات إلى وثائق حية تمنحنا زاوية نظر مختلفة عما تقدمه السير التقليدية.

وأكد دهشور على القيمة المتعددة التخصصات لهذه المادة، إذ يمكن من خلال شهادات الفنانين والمسرحيين إعادة رسم التاريخ المعماري والطوبوغرافي للمدن المغربية، بتتبع مواقع المسارح والمنشآت الثقافية التي طالها النسيان أو التغيير.

وأشار إلى أن هذه الكتابات تساهم في توثيق تاريخ الهجرات الداخلية، مستشهدا بمنطقة الحي المحمدي كمثال لفهم المصادر الديموغرافية والتحولات السكنية والاجتماعية التي شهدها المغرب عبر العقود.

وشدد دهشور على أن الكتاب يوفر "المادة الخام" الضرورية لكل من الناقد الأدبي والمؤرخ على حد سواء، ففي ظل الحاجة الماسة لتدوين التاريخ الاجتماعي الشامل للبلاد، تأتي هذه "الشذرات" أو "النتف" المستخلصة من البورتريهات لتجمع أجزاء متفرقة تساعد في تكوين وجهة نظر علمية وتاريخية رصينة، وتساهم في سد الفراغات الموجودة في الذاكرة الوطنية من خلال استحضار أرواح هؤلاء المبدعين.