تكشف الشبكة التي كانت تدير نفقي المخدرات المكتشفين في سبتة المحتلة لتهريب الحشيش من المغرب عن طريقة اشتغال منظمة إجرامية كانت تمتلك خبرة واسعة في عالم الاتجار بالمخدرات، كما كانت مدفوعة بطموح كبير للتوسع واحتكار السوق.
وبحسب تقرير جديد رفعته الوحدة المركزية لمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة التابعة للشرطة الوطنية الإسبانية إلى المحكمة الوطنية الإسبانية، فإن هذه الشبكة كانت تتمتع بعلاقات نافذة داخل إسبانيا والمغرب على حد سواء، ما مكنها، وفق مزاعم التحقيق، من الحصول على معلومات حول سير الأبحاث الأمنية حتى عندما كانت تخضع للسرية القضائية.
ويضع التقرير مصطفى شعايري بروزي في قلب هذه الشبكة، معتبرا إياه "العقل المدبر" أو "ملك أنفاق المخدرات". وتنسب إليه الشرطة الإسبانية ملكية النفقين المكتشفين، إضافة إلى نفق ثالث كان قيد الإنشاء.
بين طن وطنيْن من الحشيش يوميا
ووفقا للتحقيقات الإسبانية، كانت الأنفاق تستخدم لإدخال ما بين طن وطنين من الحشيش يوميا إلى سبتة المحتلة، مع فرض رسوم على كل منظمة إجرامية ترغب في استخدام هذه البنية التحتية السرية.
وتقول الشرطة إن الهدف كان احتكار سوق تهريب الحشيش، بحيث يصبح أي مهرب راغب في إدخال المخدرات إلى سبتة مضطرا لدفع مقابل مالي لاستخدام الأنفاق.
الاشتباه في وجود الأنفاق منذ 2024
تشير الوحدة الإسبانية إلى أنها كانت تشتبه منذ الربع الأول من سنة 2024 في وجود مشروع لإنشاء نفقين لتهريب المخدرات، بناء على عمليات مراقبة وتحليل استخباراتي استهدفت شبكات إجرامية تنشط بين سبتة وشبه الجزيرة الإيبيرية.
ورغم هذه الشكوك، لم يُكتشف أول نفق فعليا إلا في فبراير 2025 من طرف الحرس المدني الإسباني، وذلك بفضل تعاون أحد الموقوفين في إطار عملية "هاديس".
وتؤكد الشرطة أن المخدرات كانت تُخزن بكميات كبيرة في مستودعات بمنطقتي تاراخال والأمير قبل توزيعها على شبكات مختلفة مرتبطة، بشكل أو بآخر، بالشخص الذي تتهمه التحقيقات بقيادة هذه الشبكة.
كما يربط التقرير بين هذه الشبكة واثنين من كبار المطلوبين في قضايا المخدرات، المعروفين بلقبي "ميسي الحشيش" و"عبد الإله دهولندا"، اللذين ما زالا فارين من العدالة.
تسريبات من داخل التحقيقات السرية
من أبرز النقاط التي يركز عليها التقرير ما يعتبره حصول زعيم الشبكة على معلومات مسبقة حول تحركات المحققين.
وتقول الشرطة إن المتهم تمكن من إزالة أدلة مهمة قبل مداهمة أول نفق للمخدرات في منطقة تاراخال، بعدما تلقى تحذيرات من "أطراف ثالثة".
وفي تسجيلات صوتية التقطتها الشرطة، يصرح المتهم بأنه تلقى اتصالات تنبهه إلى أنه أصبح تحت المراقبة، كما تحدث عن مسؤول في وحدة مكافحة المخدرات قائلا إنه "لا يمكن شراؤه لأنه محمي مباشرة من مدريد".
وفي تسجيل آخر يعود إلى يونيو 2025، أكد المتهم أنه أغلق النفق قبل وصول الحرس المدني، معتبرا أن العثور عليه مفتوحا كان سيشكل "كارثة".
مزاعم عن رشاوى لمسؤولين مغاربة
وتتحدث التحقيقات أيضا عن الجانب المغربي من النفق الأول، الذي كان ينتهي داخل منزل يقع بالمغرب في منطقة عسكرية.
وتقول الشرطة إن أحد المتعاونين المغاربة المرتبطين بالنفق تمكن من الاختباء داخل المغرب تحت حماية مصطفى شعايري بروزي.
وفي تسجيل مؤرخ بغشت 2025، يزعم المتهم أنه استأجر منزلا مزودا بمسبح في منطقة كابو نيغرو لفائدة المسؤول المكلف بمتابعة القضية في المغرب.
ويقول في التسجيل: "الشخص الذي يتولى الملف استأجرت له منزلا، منزلا به مسبح"، مضيفا أن "رئيس تلك الفرقة سيأتي غدا"، وأن مبلغا ماليا سيُسلم له.
وتعتبر الشرطة الإسبانية أن هذه المحادثات توحي بوجود اتصالات مباشرة بين المتهم ومسؤولين مغاربة بهدف معالجة المشاكل القضائية التي تواجه الشبكة.
أمني متقاعد و"ميسي الحشيش"
كما يتضمن التقرير تسجيلات لمحادثات بين صاحب الأنفاق وأحد عناصر الحرس المدني الإسباني المتقاعدين، الذي جرى توقيفه لاحقا بعد اكتشاف النفق الثاني.
وتتناول هذه المحادثات أسعار وشحنات الحشيش وطرق نقله، فيما ترى الشرطة أنها تدل على وجود علاقة بين هذا الحارس المتقاعد وشخص يعرف بلقب "ميسي الحشيش".
تسجيل صوتي لشخص يُعتقد أنه عنصر بالحرس المدني
وتتوقف التحقيقات أيضا عند تسجيل صوتي عبر "واتساب" يعود إلى يناير 2026 لشخص يدعى "خوسيه"، تصفه الشرطة بأنه "يُحتمل أن يكون عنصرا بالحرس المدني".
ويطلب صاحب التسجيل معلومات عن ابن الشخص الذي تصفه التحقيقات بـ"زعيم الأنفاق"، قبل أشهر من اكتشاف النفق الثاني.
وترى الشرطة أن مضمون هذه الرسالة قد يشير إلى معرفة مسبقة بهوية مالك الأنفاق.
9 آلاف يورو لتهريب عمال النفق الثالث
كما تكشف التسجيلات، وفق الرواية الأمنية الإسبانية، عن ترتيبات لإدخال أشخاص إلى سبتة المحتلة بطريقة غير قانونية للمشاركة في بناء النفق الثالث.
وتشير إحدى المحادثات إلى أن تكلفة تهريب شخص واحد على متن قارب صيد كانت تصل إلى 9 آلاف يورو، بينما تتحدث تسجيلات أخرى عن إمكانية إدخال أشخاص عبر الحدود مقابل 12 ألف يورو.
ويظل ما ورد في التقرير معطيات وتحليلات أمنية قدمتها الشرطة الإسبانية إلى القضاء، ولم تصدر بشأنها أحكام قضائية نهائية إلى حدود الساعة.