إلياس غاني
مع حلول كأس العالم، تنتعش بشكل قياسي سوق القرصنة الرقمية واشتراكات IPTV غير القانونية، ويهدد تنامي اقتصاد "السيرفرات" المظلمة هذا الحقوق الحصرية للقنوات الرسمية، وبين صغار الباعة الذين يوفرون هذه الخدمات والمستهلك الأخير، تقف في الخلف شبكات دولية تشتغل بطرق معقدة جدا، تظل دائما متقدمة بخطوة على الملاحقات القانونية وأجهزة الرقابة.
لماذا يختار المغاربة القرصنة؟
لا ينبع هذا الانتعاش من فراغ، فمن جهة، يوجد شغف الجماهير بمتابعة كرة القدم، ومن جهة، تحكم شبكة قنوات "بي إن سبورت" قبضتها الحصرية على حقوق بث البطولات الكبرى، التي تستأثر بهذا الشغف، في منطقة شمال إفريقيا، فارضة أسعارا تصل إلى 3400 درهم سنويا، أو 200 درهم شهريا، وفق ما تعلنه الشركة على موقعها الرسمي، مقابل باقة تقتصر على قنواتها فقط.
وأمام غياب تام للمنافسة التي من شأنها تعديل كفة الأسعار، تجد فئات واسعة من المغاربة ذوي القدرات المادية المحدودة نفسها مدفوعة نحو خيارات القرصنة.
بل إن الفارق الشاسع في التكلفة وحجم المحتوى المعروض جعل حتى بعض الفئات الميسورة تفضل الاشتراكات المقرصنة.
ويقدم سوق القرصنة عروضا مغرية، ومع ارتفاع الطلب حاليا، تدور حرب منافسة شرسة. تتراوح الأسعار في المحلات بين 200 و500 درهم للسنة، بينما تعج منصات التواصل الاجتماعي، بإعلانات لاشتراكات تبدأ من 50 درهما للشهر.
وتشمل العروض باقات تدمج قنوات "بي إن سبورت" مع آلاف القنوات الأخرى، بدءا، على سبيل المثال، بباقة سنوية بـ 170 درهما تضم12 ألف قناة، وأخرى بـ250 درهما، وصولا إلى الباقة الكبرى بـ 400 درهم التي تتيح 42 ألف قناة من كل العالم.
دهاليز سوق القرصنة
في محاولة للحصول على اشتراكات من عدد من الباعة، تم عرض باقات مقرصنة مختلفة بشكل مباشر وسلس، قبل أن يتراجعوا وينفوا، عند الإشارة إلى أنهم يتكلمون للصحافة، بيع أي محتوى مقرصن، مدعين أن ما يقدمونه يدخل في إطار اشتراكات قانونية.
وقبل بائع واحد الحديث لـ"تيلكيل عربي"، موضحا أن دورهم يقتصر على إعادة بيع اشتراكات يتم اقتناؤها من شبكات خارجية، هم أنفسهم لا يعرفون هوية من يقف وراءها.
تشتغل هذه الشبكات، عبر إعادة توزيع البث التلفزيوني المدفوع، قبل تحويله إلى اشتراكات في صيغة "أكواد"، تمنح المستخدمين الوصول إلى نفس المحتوى الذي تبثه القنوات الرسمية بشكل غير مرخص.
وهي سلسلة معقدة ترتبط بالجريمة المنظمة العابرة للحدود، تعتمد على قراصنة بكفاءات عالية وحواسيب جد متطورة.
ولتفادي الرقابة القانونية، يتم الدفع بالعملة الصعبة عبر اقتناء عملات مشفرة تحمل قيمة مالية حقيقية، لتصل في النهاية إلى البائع المحلي الذي يعيد بيعها للمستهلك.
ورغم عدم قانونية هذا النشاط، يمارس الباعة عملهم بشكل عادي وعلني، سواء عبر محلات في الشوارع أو من خلال إعلانات مكثفة على شبكات التواصل الاجتماعي، مرفقة بأرقام "واتساب" للتواصل المباشر.
القرصنة.. سوق بـ10 مليارات يورو
ورغم انتشار عروض الاشتراكات المقرصنة، لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة حول حجم هذا السوق ولا خسائر الشركات صاحبة حقوق البث، سواء الصادرة عن المكتب المغربي لحماية حقوق المؤلف، أو الصادرة عن النيابة العامة، أو حتى الصادرة عن الشركات المعينة نفسها.
فلا تقدم "بي إن سبورت"، باعتبارها صاحبة حقوق البث الحصرية في المنطقة، أي أرقام رسمية بهذا الخصوص، رغم تداول تقديرات غير مؤكدة تشير إلى أن خسائرها المرتبطة بالقرصنة قد بلغت حوالي مليار و200 مليون دولار سنة 2020.
بينما قال تحقيق دولي قادته أجهزة أوروبية سنة 2024 بدعم من Europol وEurojust أن القرصنة التلفزيونية أصبحت نشاطا عابرا للحدود بملايين المستخدمين وخسائر بمليارات اليورو.
وكشف التحقيق عن شبكة غير قانونية كانت تصل إلى أكثر من 22 مليون مستخدم حول العالم، تسببت، في أضرار بلغت 10 مليارات يورو لأصحاب الحقوق، كخسائر تقديرية لإرادات محتملة.
تهديد القرصنة لجاذبية المغرب الاستثمارية
يقول بدر زاهر الأزرق، أستاذ قانون المال والأعمال بجامعة الحسن الثاني، إن القرصنة تضرب مباشرة صورة المغرب وجاذبيته الاستثمارية وبالتالي ثقة المستثمرين.
وفي تصريحه لـ"تيلكيل عربي"، قال الأزرق إن "المستثمر سواء أكان مغربيا أو أجنبيا يبحث قبل كل شيء عن بيئة تضمن حماية الحقوق الفكرية والتجارية والعائدات".
ما قد يؤدي لتراجع "قراراتهم المستقبلية المتعلقة بضخ رؤوس الأموال أو توسيع أنشطتهم داخل المملكة لاسيما في القطاعات المرتبطة بالإعلام الرقمي والترفيه والصناعات الثقافية والإبداعية".
وقال إن غياب الردع الكافي يبعث برسائل سلبية على قدرة الدولة على حماية المصالح الاقتصادية للمستثمرين.
تعديل قانون حقوق المؤلف لمواجهة القرصنة
لمواجهة القرصنة، يقع المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة في صلب المعركة، كمسؤول أول عن حماية المحتويات السمعية البصرية.
لكنه أبان خلال السنوات الماضية عن محدوديته أمام التطور السريع لأساليب القرصنة وتعدد أوجهها.
ولمنحه قوة أكثر في المواجهة، صادقت الحكومة في شهر يونيو الجاري على مشروع قانون جديد لتحديث ترسانة المواجهة ومنح المكتب أدوات زجرية حقيقية، من خلال تعديل القانون المتعلق بحقوق المؤلف.
ويتيح القانون الجديد صلاحيات أوسع لمكتب حقوق المؤلف لتشمل التدخل الميداني، وتفتيش الأنظمة الرقمية والوثائق، وحجز الأجهزة الإلكترونية المستخدمة في قرصنة الاشتراكات.
ويعطي للقضاء سلطة إصدار أوامر مستعجلة لحجب روابط البث الرقمي غير المشروع في الحين لمنع استمرار المخالفة، وهو استنفار قانوني يأتي كاستجابة مباشرة لدفاتر تحملات الاتحاد الدولي لكرة القدم مع اقتراب تنظيم المغرب لمونديال 2030.
وهنا يأتي دور شركات الاتصالات، المطالبة تقنيا بالتنفيذ الفوري لهذه الأوامر القضائية، وحجب خوادم وروابط البث المقرصن عبر شبكات الإنترنت.
الهاكا: السر في توفير عرض مناسب لجيوب المغاربة
من جهتها، ترى الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري أن مواجهة هذا المد الرقمي تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول المنفردة.
وفي تصريح لـ"تيلكيل عربي"، قالت رئيسة الهيئة، لطيفة أخرباش، إن القرصنة تحولت إلى "نظام يختلس موارد هائلة، ويضعف النماذج الاقتصادية المشروعة، ويقوض قدرة مجتمعاتنا على تمويل الإبداع والابتكار".
وأضافت أخرباش ان تعقيد هذه الشبكات العابرة للحدود، واعتمادها على بنى تحتية متطورة ومسارات دفع يصعب تتبعها، يستدعي "تآزرا مؤسساتيا" عاجلا يجمع مختلف المتدخلين لحماية الفضاء السمعي البصري.
وأوضحت رئيسة "الهاكا" أن الرد الحاسم على شبكات الظل هو "تقديم عرض تنافسي وفي متناول المشاهد المغربي"، كسبيل وحيد لقطع الطريق على الخيارات غير القانونية وتلبية شغف الجمهور بأسعار معقولة.