اعتبر الأستاذ الجامعي سعيد بنيس أن مفهوم "تمغربيت" يشكل أحد أهم المداخل لمواجهة تصاعد خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي، داعيا إلى الانتقال من "اقتصاد الكراهية" إلى "اقتصاد الحب" القائم على قيم التعايش والتنوع والمواطنة.
وأوضح بنيس، خلال مداخلته في الندوة الافتتاحية للدورة العشرين لمهرجان "ثويزا" بطنجة، عشية أمس الخميس، أن الدفاع عن الحب هو في جوهره دفاع عن كرامة الإنسان، مؤكدا أن الاختلاف لا يعني الدونية، وأن الحب يتجسد في التواصل الخالي من كل أشكال التمييز أو الإقصاء على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو غيرها من محددات الهوية.
"الكراهية ممارسة يومية"
وأشار إلى أن التحولات التي عرفها العالم الرقمي جعلت الحب يتحول إلى مجرد تمثل أو فكرة، بينما أصبحت الكراهية ممارسة يومية تتغذى من طبيعة التفاعل داخل المنصات الرقمية، وهو ما أفرز أشكالا جديدة من العلاقات الاجتماعية والتمثلات الهوياتية.
وتوقف عند ما وصفه بـ"السكيزوفرينيا الرقمية" و"السكيزوغلوسيا" أو انفصام اللغة، معتبرا أن مستخدمي الفضاء الرقمي قد يظهرون بصورة ودودة في حياتهم الواقعية، بينما يتبنون خطابا عدائيا في العالم الافتراضي، في ظل الانتقال من مجتمع التواصل المباشر إلى مجتمع الاتصال الرقمي، وبروز ما سماه "المواطنة الافتراضية" التي تمنح الأفراد هوية مزدوجة، هوية واقعية تتسم بالتواصل، وأخرى افتراضية قد تنزلق نحو العدوانية والإقصاء.
وحلل بنيس ظاهرة "السكيزوغلوسيا" باعتبارها انفصاما لغويا في الفضاء الرقمي، حيث تستعمل الدارجة أحيانا كوعاء لتصريف الكراهية والوصم الاجتماعي، من خلال تداول أوصاف وألقاب مهينة تستمد مرجعيتها من المتخيل الشعبي لتكريس الإقصاء.
وفي المقابل، سجل ما وصفه بـ"المقاومة الهوياتية"، حيث أعاد بعض الشباب توظيف هذه الأوصاف باعتبارها رموزا للاعتزاز بالهوية، في محاولة لتحويل الوصم إلى مصدر للقوة.
صناع الكراهية والحب
وحذر بنيس من تنامي نفوذ ما أسماه "صناع الكراهية" من مؤثري المنصات الرقمية، من "يوتيوبرز" وصناع محتوى عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، معتبرا أنهم أسسوا "زوايا افتراضية" تستقطب ملايين المتابعين، وتستثمر في إثارة الفتن والصراعات بين شعوب المنطقة، خاصة بين المغاربة والجزائريين والتونسيين، بهدف تحقيق عائدات مالية قائمة على زيادة نسب التفاعل والمشاهدات.
وأضاف أن هذه الممارسات أسهمت في تحويل الكراهية إلى اقتصاد رقمي يقوم على "ريع الديجيتال"، يعتمد على نشر الوسوم والألقاب المهينة وإذكاء الاستقطاب، بما يعزز الوصم والإقصاء ويغذي الانقسامات المجتمعية.
وفي المقابل، دعا إلى تشجيع من سماهم "صناع الحب"، وهم الإعلاميون وصناع المحتوى الذين يوظفون المنصات الرقمية لبناء جسور التواصل بين الشعوب ونشر قيم التعايش، معتبرا أن دعم هذا النموذج يشكل الرد العملي على خطاب الفتنة والكراهية الذي تروجه "الزوايا الافتراضية".
وأشاد بما وصفه بـ"الحراك الرقمي المغربي" الواعي، مستشهدا بهاشتاغ "صمكها" باعتباره نموذجا لـ"الصمت الرقمي" المسؤول، الذي يرفض الانجرار وراء الاستفزازات وحملات التحريض، فضلا عن موجات التضامن التي أبان عنها المغاربة عبر المنصات الرقمية مع شعوب المنطقة، خاصة خلال الكوارث الطبيعية، معتبرا أن هذه المبادرات تجسد "الجسر الافتراضي" الحقيقي للحب والتضامن الإنساني.
وفي المقابل، دعا بنيس إلى ترسيخ مفهوم "تمغربيت" و"نيو-تمغربيت" باعتباره إطارا جامعا للهوية المغربية، يقوم على مبدأ "التنوع المتكامل"، مشددا على أن قوة المغرب تكمن في تفاعل مكوناته الثقافية واللغوية، وهو ما كرسه دستور 2011 من خلال الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي للمملكة.
وقدم مجموعة من المقترحات العملية لمواجهة خطاب الكراهية، أبرزها إحداث مرصد وطني لرصد الظاهرة وإصدار تقرير سنوي بشأنها، وإعداد دليل وطني لمواجهة خطاب الكراهية على غرار تجارب دولية، مستلهما التجربة الكندية التي انتقلت من شعار "كلنا معا" إلى "كلنا متساوون"، بما يعزز المساواة القانونية والحقوقية كأساس للتعايش.
التربية الإعلامية والرقمية
وشدد على ضرورة إدماج التربية الإعلامية والرقمية داخل المؤسسات التعليمية، بما يمكن الأطفال والشباب من التعامل الواعي مع المنصات الرقمية والخوارزميات، محذرا مما أسماه "الاحتباس القيمي" الناتج عن هيمنة الفضاء الرقمي على عملية التنشئة الاجتماعية، في ظل اعتماد الأجيال الجديدة على محركات البحث والذكاء الاصطناعي كمصدر رئيسي للمعرفة.
ودعا إلى اعتماد سياسات عمومية لتنظيم المجال الرقمي، بما يضمن السيادة الرقمية ويحمي المجتمع من التأثيرات السلبية للتكنولوجيا الحديثة، مؤكدا أن مواجهة الكراهية لا تقتصر على الجوانب القانونية، بل تستدعي بناء ثقافة مجتمعية قائمة على قيم الحب والتعايش واحترام الاختلاف، إلى جانب وضع سياسة حمائية تحصن المجتمع من مظاهر "العبودية التكنولوجية" وتحافظ على منظومته القيمية.
المنتخب المغربي
توقف سعيد بنيس، عند الرياضة باعتبارها واحدا من أبرز الحقول المعاصرة الباعثة على الحب أو الكراهية، مستشهدا بنموذج الفريق الوطني المغربي الذي نجح في كسر الحواجز الجغرافية والسياسية.
ووصف بنيس النخبة الوطنية بأنها أصبحت "فريق جبر الخواطر" بامتياز، ومحركا قويا لـ "انبعاث الحب الإنساني"، حيث لم تقتصر الفرحة بانتصاراته على المغاربة فحسب، بل امتدت لتشمل شعوبا بعيدة كإندونيسيا وماليزيا، بالإضافة إلى مظاهر الاحتفاء الواسعة في غزة.
واعتبر بنيس أن هذا "المد التعاطفي" العابر للقارات يثبت أن الحب يمكن أن يتجاوز مقادير "مطبخ الإنسانية" التقليدي من لون ودين ولغة، ليصبح دعامة أساسية لصناعة "الإنسية".
وفي هذا السياق، دعا بنيس إلى ضرورة تشجيع "صناعة الحب" التي يجسدها الفريق الوطني كخيار استراتيجي لمواجهة "اقتصاد الكراهية" و"الزوايا الافتراضية" التي يسعى صناعها لتحقيق ريع رقمي عبر بث الفتنة بين الشعوب.