لا تعني الرحلة على متن قطار "البراق" دائما الراحة والطمأنينة، فبسبب تعرض بعض المسافرين لسرقة أمتعتهم على متن القطار فائق السرعة (TGV)، يروي عدد منهم معاناتهم مع إجراءات يصفونها بالغامضة، في مواجهة المكتب الوطني للسكك الحديدية (ONCF)، الذي يرفض تحمل أي مسؤولية.
قبل نحو عام، استقلت شابة من الدار البيضاء، تعيش وتعمل في الخارج، قطار "البراق" من طنجة للالتحاق بعائلتها في العاصمة الاقتصادية، وكانت فخورة باستخدام وسيلة نقل تتيح قطع المسافة بين طنجة والدار البيضاء في ساعتين وعشر دقائق، وكان لديها سبب آخر يجعلها في غاية السعادة، إذ لم يكن يفصلها عن زفافها سوى أيام قليلة.
لكن عند وصولها إلى محطة "Casa-Voyageurs"، تحولت الرحلة إلى كابوس، بعدما اختفت حقيبتها التي كانت تضم "جهاز العروس"، توجهت إلى مصلحة الشكاوى التابعة للمكتب الوطني للسكك الحديدية، لكنها سرعان ما أدركت أن الأمر بلا جدوى.
ويقول أحد مقربيها: "الإجراءات الإدارية المعقدة ليست من اهتماماتها، لذلك فضلت التخلي عن متابعة الملف".
ولم تكن سرقة أمتعة هذه الشابة على متن "البراق" حالة معزولة، وإن كان المكتب الوطني للسكك الحديدية يقلل من حجم الظاهرة، إذ أكد، في تواصل معنا، أن "عدد السرقات المصرح بها يبقى ضئيلا مقارنة بعدد المسافرين الذين يتم نقلهم سنويا".
"ماشي شغلنا"
في بداية شهر يونيو، عاشت أم من الدار البيضاء تجربة مماثلة، وتقول: "كنت سعيدة بلقاء عائلتي التي أنفقت من أجلها ثروة صغيرة في شراء الهدايا، كما كنت مسرورة بالمقتنيات التي اشتريتها لإسعاد نفسي". وباستثناء حقيبة يدها التي احتفظت بها معها، وضعت حقيبتين، من بينهما حقيبة سفر كبيرة، في المكان المخصص للأمتعة عند مدخل المقصورة.
وعند وصولها إلى محطة "كازا فواياجور"، لم تجد أمتعتها، فتوجهت إلى مصلحة الشكاوى التابعة للمكتب، حيث نُصحت بالتوجه إلى الشرطة.
وتؤكد الضحية، التي تقدر قيمة المسروقات بما بين 8 آلاف و9 آلاف درهم: "كان الأجدر بالمكتب الوطني للسكك الحديدية مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة المثبتة على متن القطار، فذلك كان سيسرع الإجراءات ويمنحني، ويمنح المحققين أيضا، خيوطا للتحرك في الوقت المناسب".
غير أن رد المكتب كان أن الرجوع إلى تسجيلات الفيديو لا يدخل ضمن اختصاصات مستخدميه.
وأوضح المكتب، في رده، أن "تسجيلات كاميرات المراقبة يتم استغلالها في إطار الاحترام الصارم للقوانين الجاري بها العمل المتعلقة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، ولا يمكن الاطلاع عليها أو تسليمها إلا للسلطات القضائية أو المصالح المختصة في إطار مسطرة رسمية، ويوفر المكتب تعاونا كاملا مع السلطات المختصة بناء على تسخير قضائي".
وبالتالي، فإن الحصول على معلومات بشأن الأمتعة المسروقة أو الاطلاع على التسجيلات يقتضي تقديم شكاية، وانتظار تدخل الشرطة القضائية والحصول على إذن من النيابة العامة.
وبسبب الإرهاق واليأس، تخلت الأم البيضاوية عن متابعة القضية، لكنها اقترحت حلا للمشكلة، متسائلة: "لماذا لا يضع المكتب آلية تسمح بوضع أسماء المسافرين على أمتعتهم وتسليمها لهم عند الوصول، كما تفعل شركة 'ستيام' (CTM) مثلا؟".
وجاء رد المكتب حاسما: "نموذج النقل السككي الوطني يعتمد على نظام الأمتعة المصحوبة من طرف المسافرين، بخلاف النقل الجوي حيث يتم تسجيل الأمتعة والتكفل بها من طرف الناقل".
وخلص المكتب إلى أن "الحقائب اليدوية والأغراض الشخصية تظل تحت حراسة ومسؤولية أصحابها طوال مدة الرحلة، وبناء عليه، لا يمكن تحميل المكتب المسؤولية عن سرقة أو فقدان الأمتعة التي لم توضع برسم الأمانة تحت عهدته"، وبعبارة أخرى، من الأفضل إبقاء العين على الأمتعة طوال الرحلة.
"متخصصون"... ونقطة سوداء
لكن، هل يعني ذلك الامتناع عن الذهاب إلى المراحيض، أو القراءة، أو أخذ غفوة قصيرة، أو العمل على الحاسوب، كما يفعل عشرات المسافرين يوميا؟ فأي لحظة غفلة قد تكلف صاحبها خسارة كبيرة، وربما باهظة جدا، بحسب محتويات حقيبته.
وحسب سلسلة من الشهادات التي جمعتها "TelQuel"، ورغم ميل المكتب الوطني للسكك الحديدية إلى التقليل من حجم الظاهرة، فإن المحور الرابط بين طنجة والقنيطرة يظل نقطة سوداء حقيقية لسرقة الأمتعة على متن "البراق".
ومؤخرا، وضعت الشرطة حدا لنشاط شخص ارتكب ما لا يقل عن عشر سرقات على هذا المحور، كما تعرض سائح أجنبي لسرقة أمتعة تضم أغراضا تقدر قيمتها بنحو 20 ألف درهم.
وتفيد مصادر لـ"TelQuel" بأن "عمليات السرقة لا تقتصر على متن القطارات، بل تقع أيضا داخل محطتي الدار البيضاء وطنجة، حيث يستهدف اللصوص أمتعة المسافرين القادمين من مطاري المدينتين أو المتوجهين إليهما".
وتعمد فئة من لصوص الأمتعة، يمكن وصفهم بـ"المتخصصين"، إلى تنفيذ عمليات رصد ومعاينة داخل المحطات، إذ يسهل عليهم تحديد الضحية المحتملة من خلال جودة الحقائب أو أكياس المشتريات التي تحمل علامات تجارية معروفة.
وفي بعض الأحيان، تكفيهم نظرة سريعة إلى قاعة كبار الشخصيات (VIP) الخاصة بقطار "البراق" لتحديد الضحية المستهدفة، حتى وإن تطلب الأمر شراء تذكرة ببضع مئات من الدراهم، وركوب القطار ثم النزول في محطة القنيطرة، كما يسهم الاكتظاظ الكبير خلال فترات العودة من العطل أو أيام الأعياد في تسهيل مهمتهم وتنفيذ السرقات.