"بيغاسوس".. "دليل سنودن" و"حجايات سفير!"

أحمد مدياني
أحمد مدياني

عشية يوم الخميس 16 يوليوز الجاري، تلقيت دعوة من قناة "فرانس 24"، للمرور على الهواء مباشرة. الزميلة التي تكلفت بالتنسيق، أخبرتني أننا سنناقش زيارة الحكومة الفرنسية للمغرب، في سياق الاجتماع الرفيع المستوى الذي يستضيفه منذ مطلع هذا الأسبوع، ولم يعقد بين حكومتي المملكة والجمهورية منذ سنة 2017.

الدعوة جاءت منتصف اليوم نفسه... كُنت أرتدي ملابس صيفية لا تلائم الشاشة إطلاقا... قصدت المنزل عائدا من مقر العمل... حضَرتُ للمرور وفق مضمون موضوع الدعوة... أثناء انتظار وصول الفقرة التي سأمر خلالها، تذكرت أن تحالف 17 صحيفة اختار نشر ما وُصف بـ"تحقيق" حول "احتمال استعمال المغرب لبرنامج التجسس بيغاسوس، ضد صحافيين وناشطين ومسؤولين خاصة داخل الدولة الفرنسية".

تذكرت أيضا أن من يمسك بدفة توجيه النقاش، الإعلامية المغربية دنيا نوار... طبعا، بمهنية، لن تفوت الفرصة لطرح موضوع "التحقيق" على صحفي مغربي تستضيفه أكثر من مرة، تعرف جيدا أنه سيجيب بما هو مقتنع به.

كذلك حصل. بماذا أجبت؟ مع الأخذ بعين الاعتبار أن السؤال جاء في الوقت الميت من المرور.

قُلت: "ما نشر لا يرتقي إلى مادة صحفية من جنس صحافة التحقيق، وإن كنت مسؤولا عن النشر، لن أمررها... ما نشر أعاد تكرار ما سبق نشره، وحاول تأكيد فرضية تورط المغرب بناء على إضافة عنصر شهادة مصدر مجهول، نُسب للمخابرات المغربية الداخلية... في مثل هذه الملفات، نحتاج إلى العودة لقضية سنودن، فهي المعيار لتقييم عمل صحفي بهذا الحجم".

هنا، شعرت بأنني رميت موقفا لا يصح تركه هكذا. إحساس بالمسؤولية تجاه جوابٍ اعتبره عدد كبير من الأصدقاء والزملاء الذين اتصلوا عقب المرور، وأيضا من لا أعرفهم في تفاعلهم معه على مواقع التواصل الاجتماعي، (اعتبروه) قويا، واعتبرته أنا مجرد "موقف إنشائي" يحتاج إلى دعائم ترفع سقف التحليل والتمحيص في كل ما جاء في مقالات تم اختيار موعد نشرها بشكل متزامن، يوم إلقاء الوزير الأول الفرنسي، سيباستيان لوكورنو، لكلمته الرسمية رفقة رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش.

بعد طرح أسباب نزول هذا المقال، لن يكون هدفه تبرئة أو إدانة جهة ما على حساب أخرى، دعونا نمر للجواب عن سؤال: لماذا وصفت ما نُشر بأنه لا يرتقي لمواد صحفية تستحق حمل صفة جنس التحقيق؟

أول ملاحظة لا يمكن القفز عليها، هي أن المؤسسات الصحفية التي تنشر مقالات حول الموضوع منذ العام 2021 تعتمد أسلوب "التراكم الطبقي في السرد".

لن أطيل هنا، لفهم ما أوردته أكثر، أدعوكم لمشاهدة فيلم "inception"، أحد روائع المخرج البريطاني الأمريكي كريستوفر نولان رفقة الممثل ليوناردو دي كابريو. إبداع استثنائي قصته تشرح كيف تتم زراعة الأفكار بناء على اقتحام طبقات اللاوعي من خلال مشاركة الأحلام مع الأشخاص المستهدفين، وفق سلسلة استغلال لأحداث واقعية وأخرى وإن كانت مُختلقة تستغل قابلية تصديقها من قبل الضحية، بناء على خلفيته أو تجاربه أو علاقاته بمحيطه.

وما نشر الآن، ليس سوى طبقة أخرى تستغل "القوة الحُجية" لطبقات تم تشييدها طيلة خمس سنوات.

هل توجد أدلة تقنية حقيقية على استخدام برنامج التجسس "بيغاسوس" ضد صحفيين نشطاء ومسؤولين؟

نعم!

لكن، الحلقة المفقودة التي لم يشتغل عليها الصحفيون المحققون، بكل ما يملكون من إمكانيات ومصادر، هي إثبات بنسبة 100 في المائة هوية الجهة التي نفذت عملية التجسس المزعومة.

لأن تأكيد فرضية أن الدولة المغربية أو أحد أجهزتها هي من قامت أو قام بالعملية، يحتاج لقرائن قوية وأدلة قاطعة، وليس إعادة اجترار ما سبق نشره، مع إضافة عُنصر المصدر المجهول الذي تمت تسميته بلقب "سفير".

الأدلة التقنية حول وقوع تجسس اعتمد برنامج "بيغاسوس" نُشرت منذ سنوات... التسريبات الاستخباراتية الفرنسية بكل ما يحيط بها من إمكانية استغلال، تحريف، أو توجيه مضمونها متاح... أعتقد، ما كان يجب أن يجتهد فيه الذين اشتغلوا على "الطبقة الجديدة من القصة" هو الوصول لدليل علني نهائي.

ما هو هذا الدليل؟

لنقل بلغة صحافة التحقيق، ما هي الفرضيات الأربع التي كان لزاما الإجابة عنها، لنصدق أن ما تم إعادة تدويره أو اجتراره، لا يتجاوز كونه "الورقة الأخيرة" فوق طاولة جزء من "ديكة الظل" الذين يحاولون نسف تسارع ترميم العلاقات المغربية الفرنسية، بما يتجاوز غنائم المصالح الاقتصادية والاستخباراتية والسياسية.

الفرضيات مع الإجابة عنها بشكل مباشر، هي:

1 هل هناك وثائق استخباراتية أو قضائية رسمية أو مسربة تحسم في تورط المغرب؟

لا!

2 هل تحدث مصدر رسمي (مسؤول حالي أو سابق) أكد تورط المغرب في التجسس؟

لا!

3 هل هناك إثبات تقني يؤكد أن المتورط في عملية التجسس مصدره الدولة المغربية؟

لا!

4 هل اشتغلت كل المقالات التي نشرت على فرضية وجود طرف ثالث استغل البنية الرقمية المرتبطة بالمغرب لتنفيذ عمليات التجسس تجاه الأفراد والمؤسسات؟

لا!

بناء على ما سبق، نعم هناك دلائل قوية على استخدام برنامج التجسس "بيغاسوس"، لكن لا نملك قرائن قوية تربط الاستخدام بالمغرب.

منذ سنة 2021 كل ما ينشر يمكن وصفه بـ"الفرضية المدعومة". لكنها تفتقر دائما للقرائن. ما يتم الاشتغال عليه من طرف جيش الصحفيين المحققين، كلما نُشر لا يدخل "الدائرة الحاسمة"، بل يعيد اجترار نفس الاستنتاجات التي تقاطعت يوما ما مع مصالح استخباراتية صِرفة.

ما يُنشر محاولات "تأكيد الاستنتاج النهائي أن المغرب متورط نتاج ضغط التراكم وتكثيف زرعه داخل وعي ولا وعي الجمهور الذي يراد إقناعه حسب منهج وهم الكفايات بما هو متاح".

عملية تجسسية بهذا الحجم، لم ولن تكون عشوائية أو قرارا اتخذه مسؤول بشكل منفرد. فهي تحتاج لقرار سياسي، ثم تسمية جهة تتحمل وزر التنفيذ، بعد ذلك، اسم معلوم رفقة فريقه يضغطون على زر التشغيل وتجميع ما تم رصده وحصده.

في هذه الحالة وعلى مر التاريخ، سلاسل التواصل بين المستويات الثلاثة، يُمكن أن تفضح دون الحاجة للجوء إلى مصدر مجهول.

المغرب في رد فعله الرسمي لجأ إلى القضاء، بل اختار أن يوضع فوق كفتي ميزان العدالة الأجنبية في مواجهة ما اتهم به.

طيلة خمس سنوات، أليست هناك جهة قضائية واحدة في أوروبا، بكل الاستقلالية التي تملك، اجتهدت لتفضح المملكة بوثيقة رسمية؟

عام 2013... بهونغ كونغ ... داخل غرفة بفندق "ميرا" ... فاوض صحفيون سلمهم ادوارد سنودن آلاف الوثائق السرية لوكالة الأمن القومي، لكي يسجلوا معه مقابلة تجعل مما بين أيديهم تحقيقا صحفيا لا يمكن دحضه من قبل البيت الأبيض أو أحد الأجهزة الاستخباراتية والأمنية الأمريكية.

حينها، ما سوف ينشر يفضح عمليات تجسس واسعة النطاق.

قرأت شهادات صحفيات وصحفيين اشتغلوا على التحقيق، وشاهدت وثائقيات بالإضافة إلى الفيلم الذي تناول القصة دراميا.

ما يلفت الانتباه في هذا الملف، علاقة بموضوع "بيغاسوس" والمغرب، أن الذين اشتغلوا على "وثائق سنودن" في نقاشات ماراثونية مع مدراء نشرهم ورؤساء تحريرهم، تركوا لنا درسا صحفيا مهما حين يتعلق الأمر بمعالجة قضية لها علاقة بالاستخبارات والتجسس.

درس تأكيد فرضية وجود "دليل سنودن" لا إعادة الاجترار التراكمي باللجوء لـ"حجايات سفير"!

مواضيع ذات صلة