أوضح النقيب السابق عبد الرحيم الجامعي أن الأزمة المرتبطة بمشروع قانون المحاماة لا يمكن حسمها عبر الرهان على المحكمة الدستورية، معتبرا أن الحل يظل بيد الدولة والسلطات السياسية التي تمتلك سلطة اتخاذ القرار، وليس من خلال انتظار قرار قضائي دستوري.
ودعا الجامعي، في مداخلة له، أمس في ندوة عقدتها هيئة المحامين بالرباط، المحامين والمحاميات إلى عدم تعليق آمالهم على المحكمة الدستورية لانتزاع حقوقهم أو وقف ما اعتبره تراجعا تشريعيا يهدد المهنة، قائلا: "المحكمة الدستورية لن تجيبنا ولن تقول لنا نعم أو لا.. نحن نعلم أنه لا ينبغي أن نعول عليها".
وأبرز أن الإجابات الحقيقية عن مطالب هيئة الدفاع ينبغي أن تصدر عن المؤسسات السياسية المعنية بصنع القرار.
ورغم هذا الموقف، شدد الجامعي على أن المحكمة الدستورية، إلى جانب المجلس الأعلى للسلطة القضائية ومحكمة النقض، تشكل إحدى ركائز البناء المؤسساتي للعدالة بالمغرب، مشيرا إلى أن مراجعة اجتهاداتها خلال الفترة الممتدة بين 2014 و2022 تظهر أنها أسهمت في ترسيخ عدد من المبادئ القانونية، خاصة في ما يتعلق بالجمعيات العمومية والانتخابات، معتبرا في الوقت ذاته أن التجربة المغربية ما تزال بحاجة إلى الاقتراب من نماذج دولية تتمتع فيها المؤسسات الدستورية باستقلالية أكبر ومقاربات حقوقية أوسع.
"دسترة" مهنة المحاماة
وانتقد الجامعي ما وصفه بإحجام السلطات عن "دسترة" مهنة المحاماة، خلافا لما هو معمول به في دول مثل مصر وتونس، حيث ينص الدستور صراحة على استقلال المهنة وحمايتها باعتبارها شريكا للسلطة القضائية في تحقيق العدالة.
واعتبر أن غياب هذا التنصيص الدستوري يجعل المحاماة عرضة لما وصفه ب"الغلو والعنف المؤسساتي" الذي يتجلى، بحسب تعبيره، في القوانين المقيدة للمهنة.
وأكد أن استقلال المحاماة ليس امتيازا ممنوحا للمحامين، بل يمثل ضمانة أساسية للمواطن في دولة الحق والقانون.
القوانين الاستبدادية لا تدوم
يرى النقيب الجامعي أن الصراع المحتدم اليوم حول القانون المنظم للمهنة ليس مجرد خلاف مع وزير العدل الحالي أو حصيلة رؤية حكومة بعينها، بل هو "اختيار دولة" يسعى لتقليص أدوار المحاماة وإعادة ترتيب موازين القوى داخل قطاع العدالة.
وذكر أن هذا التوجه لم يبدأ مع الحكومة الحالية، بل هو مسار ممتد شهد فترات من المد والجزر منذ ما قبل دستور 2011، حيث تحاول الدولة فرض رؤيتها السياسية والمؤسساتية على "جناح العدالة" القوي والمستقل، عبر قوانين تتدخل في التنظيم والمسؤولية وحتى التدبير المالي للمهنة.
واستعاد الجامعي في مداخلته ذاكرة النضال المهني والحقوقي بالمغرب، مذكرا ب"ظهير 1935" الذي استعمل لسنوات لقمع الأصوات الحرة والأحزاب والمنظمات، لكنه سقط في النهاية بعد أن أدركت الدولة أن القوانين الاستبدادية لا تدوم.
واعتبر أن مشروع القانون الحالي يحمل بدوره "مظاهر الاستبداد"، وهو ما يجعله محطة للنقد والمقاومة حتى يسقط كما سقطت القوانين المقيدة للحريات في السابق، مؤكدا أن المعركة مستمرة مهما تغيرت الوجوه الحكومية.
ووجه النقيب السابق انتقادا داخليا للمؤسسات المهنية، داعيا إياها إلى اعتماد "دراسات توقعية للمستقبل" لتجنب المفاجآت والارتباك في مواجهة قرارات الدولة.
وشدد على ضرورة وجود قيادات قوية قادرة على فتح حوار جاد مع القواعد المهنية، مع الحفاظ على الانضباط للمؤسسات (الهيئات) رغم الاختلاف في الرأي، معتبرا أن "الخصوصية المهنية" تكمن في القدرة على الانتقاد اللاذع مع الالتزام التام بقرارات القيادة لضمان وحدة الصف في معركة الاستقلال.
إضعاف "جناح الدفاع"
ووجه النقيب السابق انتقادا لاذعا لما وصفه بمحاولة الدولة خلق "تفاوتات دستورية ومجتمعية" من خلال تقوية مؤسسات وسلطات أخرى على حساب إضعاف "جناح الدفاع".
واعتبر أن الدولة، وإن كان لها الحق في خلق توازنات، فليس لها الحق في "احتكار النفوذ" أو التدبير العنيف للقطاعات المهنية، خاصة فيما يتعلق بالتدبير المالي والاجتماعي للمحامين الذي اعتبره تدخلا غير مسبوق في استقلالية المؤسسات المهنية.
وأوضح الجامعي أن قوة المحامي تأتي من اختصاصه في مجالات لا يستطيع المواطن العادي، ولا حتى الشركات، فك شفراتها، مثل التعامل مع النيابة العامة وقضاء التحقيق والطعون.
وأكد أن استهداف المحامي هو في حقيقته استهداف للمواطن وحرمانه من "المحاكمة العادلة"، لأن غياب المحامي المستقل والمحصن في أداء وظيفته يعني مباشرة غياب الضمانات الحقوقية في مواجهة "الجهاز القضائي".