بطالة الشباب والنساء تكشف "أزمة خفية" بسوق الشغل رغم نمو الاقتصاد المغربي في 2025

خديجة قدوري

أعلنت المندوبية السامية للتخطيط أنه تم تسجيل تراجع أكثر حدة في معدل النشاط بالوسط القروي، حيث انخفض بـ 1,6 نقطة، منتقلا من 48 في المائة إلى 46,4 في المائة، مقابل انخفاض بـ 0,3 نقطة بالوسط الحضري، من 42,3 في المائة إلى 42 في المائة.

وأفادت أن معدل النشاط سجل انخفاضا ملحوظا خلال الفصل الثاني من سنة 2025، مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2024، حيث تراجع بـ 0,8 نقطة، منتقلا من 44,2 في المائة إلى 43,4 في المائة.

في هذا الصدد، كشف قمر فؤاد، أنه بالرغم من التراجع العام، تبقى معدلات البطالة مرتفعة وسط بعض الفئات، فقد بلغ معدل بطالة الشباب (15–24 سنة) حوالي 35.8%، وهي نسبة تحوم حول المعدلات المرتفعة التي سُجلت في الفترات السابقة. كما وصلت بطالة النساء إلى نحو 19.9%، وهي نسبة تفوق بكثير المتوسط الوطني وتدل على هشاشة اندماج المرأة في سوق الشغل.

وأوضح المحلل الاقتصادي، في تصريح لـ"تيلكيل عربي" أن مشكلة بطالة المتعلمين (حملة الشهادات التعليمية) تبرز بشكل ملحوظ، حيث بلغ معدل البطالة بينهم نحو 19 في المائة وهذا يعكس عدم قدرة سوق العمل على استيعاب الخريجين الجدد، ما يستلزم تحسين مواءمة العرض التعليمي مع حاجيات القطاع الخاص.

وأشار فؤاد إلى أن فروقات إقليمية واسعة؛ تظهر في الوسط القروي مثلاً شهد تراجعًا ظاهريًا في نسبة البطالة إلى 6.2 في المائة ولكن بمقابل تراجع حاد في نسبة السكان النشطين من 48 في المائة إلى 46.4 في المائة وهذا يعني أن العديد من سكان القرى توقفوا عن البحث عن عمل بفعل الظروف الزراعية الصعبة. أما الفوارق بين الجهات، فقد ظل بعضها يواجه أعباء بطالة مضاعفة مقارنة بمناطق أخرى.

ولفت المصدر ذاته الانتباه إلى أن تقارير المندوبية السامية للتخطيط حذرت من أن التحسن الطفيف يخفي تفاوتات عميقة بين المدن والقرى، وبين الرجال والنساء. كما لا تزال هناك فجوات بين العرض والطلب في المهارات؛ فالكفاءات التكوينية المقدمة في بعض برامج التعليم المهني لا تتناسب تمامًا مع احتياجات الشركات، مما يؤدي إلى نقص في شغل المهن المطلوبة. وبذلك تبقى آلية التنسيق بين التعليم وسوق العمل موضوعًا أساسيًا للحل.

وفيما يتعلق بالعوامل المساهمة في تراجع معدل البطالة، قال فؤاد، إن التوقعات الحكومية أظهرت تسارعًا في النمو الاقتصادي المغربي إلى نحو 4.6% في عام 2025 (مقابل ~3.3% في 2024)، بفعل تحسن الموسم الزراعي وتوسع الاستثمارات العامة (مشاريع البنية التحتية). وقد ساهم هذا النمو المتصاعد في إتاحة المزيد من فرص العمل في قطاعات متعددة، خصوصًا غير الزراعية.

وأضاف أن الفصل الثاني من 2024 ونفس الفترة من 2025، بين أن إجمالي حجم التشغيل الصافي ارتفع بنحو 5 آلاف منصب. ويعزى هذا الارتفاع إلى إحداث حوالي 113 ألف وظيفة إضافية في الوسط الحضري مقابل خسارة نحو 107 آلاف وظيفة في الوسط القروي. وقد أسهم هذا الفارق الإقليمي بشكل كبير في تخفيض معدل البطالة العام إلى 12,8 في المائة.

وأبرز في معرض حديثه، بخصوص آفاق خلق الشغل تفاوتت حسب القطاع، أن قطاع البناء والأشغال العمومية حوالي 74 ألف وظيفة جديدة، وتلاه قطاع الخدمات بـ 35 ألفا، حيث استفادت المدن من الطلب على البناء والخدمات.

بالمقابل، خسرت الزراعة والغابات والصيد نحو 108 آلاف منصب شغل بسبب تأثيرات الجفاف، مما يفسر فقدان الوسط القروي للوظائف الزراعية.

وذكر فؤاد، أنه حدث تحول في طبيعة الوظائف المحدثة، حيث تم إحداث نحو 132 ألف منصب مأجور (مدفوع الأجر) بالمغرب، بينما انخفضت الوظائف غير المأجورة (غير الرسمية) بنحو 126 ألف منصب. ويعكس هذا التحول تعزيزًا طفيفًا لسوق العمل الرسمي، إذ أخذت أغلب الوظائف الجديدة طابع العمل بالأجر الثابت.

وأفاد المصدر ذاته بأن السياسة العمومية لعبت دورًا في تحفيز التشغيل. فقد خصصت الحكومة في قانون مالية 2025 اعتمادات إضافية بحوالي 15 مليار درهم لدعم القطاع الاقتصادي والتشغيل. وتوزعت هذه الاعتمادات على تحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل (حوالي 12 مليار درهم)، ودعم المحافظة على مناصب الشغل في الوسط القروي (1 مليار درهم)، وتعزيز برامج تشغيلية (2 مليار درهم). وبناءً على هذه الخطة، تهدف الدولة إلى خفض البطالة إلى 9% وإحداث 1.45 مليون منصب عمل إضافي بحلول 2030.

وخلص إلى أن البيانات الرسمية تظهر بعض المؤشرات الإيجابية (كخلق وظائف مدفوعة الأجر وانخفاض البطالة العامة)، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن سوق الشغل المغربي يعاني من تحديات بنيوية عميقة، فمع ارتفاع النمو الاقتصادي وانخفاض معدل البطالة العام، تستمر مشكلات البطالة طويلة الأمد وشغور الوظائف ذات الدخل المنخفض والتفاوتات القطاعية والإقليمية في التأثير السلبي على الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية المستدامة.