قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية الفقرتين الأوليين من المادتين 408 و410 من القانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية، في الشق المتعلق بإسناد اختصاص تقديم طلب الإحالة إلى وزير العدل، معتبرة أن ذلك يمس بمبدأ فصل السلط واستقلال السلطة القضائية.
واستندت المحكمة في توضيح مبرراتها إلى أحكام الدستور، ولا سيما الفقرة الثانية من الفصل الأول التي تؤكد أن "النظام الدستوري للمملكة يقوم على أساس فصل السلط"، والفقرة الأولى من الفصل 87 التي تنص على أن "الحكومة تتألف من رئيس الحكومة والوزراء"، والفصل 89 الذي يخول الحكومة ممارسة السلطة التنفيذية، والفصل 107 الذي ينص صراحة على أن "السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية"، والفصل 117 الذي ينيط بالقاضي مهمة "حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، وتطبيق القانون".
وفي هذا الصدد، قال أجلاب رشيد، أستاذ باحث في القانون العام، إن دستور فاتح يوليوز 2011 حدد صلاحيات الحكومة والبرلمان في مجال ممارسة الوظيفة التشريعية. فطبقا للفصل 81 من الدستور، يمتلك البرلمان صلاحية تعديل مشاريع القوانين المقدمة من الحكومة، ويمكنه اقتراح تعديلات على هذه المشاريع، بما في ذلك تلك التي تأتي في شكل مراسيم قوانين.
وأوضح أجلاب، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن القرار الأخير الصادر عن المحكمة الدستورية، أثار جدلا واسعا حول مدى تدخل المحكمة الدستورية في عمل البرلمان، وكذلك حول التوازن بين السلطات، وهل هذا التدخل يمثل تقييداً لحق البرلمان في التشريع أم هو ضروري لضمان احترام الدستور. القرار الصادر عن المحكمة الدستورية يؤكد بالملموس أن التشريعات، حتى وإن أقرت من قبل البرلمان، يجب أن تحترم الدستور والتوازن بين السلطات.
وأبرز في معرض حديثه، أنه من الخطأ الاعتقاد أن نفاذ القوانين التنظيمية والقوانين العادية المحالة والقوانين الداخلية يتطلب الاعتماد على قرار صريح من المحكمة الدستورية، وأن غياب مثل هذا القرار من قبلها بمثابة قرار يمنع من تنفيذ القوانين، مما يجعل المحكمة الدستورية مؤسسة فوق المؤسسات، وبالتالي الإخلال بمبدأ توازن السلط المعمول به في النظام الدستوري المغربي؛ والذي يعني أن كل فرع من فروع الحكومة يراقب ويوازن عمل الفروع الأخرى، مما يمنع أي فرع من الهيمنة أو تجاوز صلاحياته.
وأشار إلى أن السلطة التشريعية تسن القوانين، والسلطة التنفيذية تقوم بتنفيذ القوانين، أما السلطة القضائية فتقوم بتفسير القوانين وتطبيقها، والمحكمة الدستورية هي حارس للدستور والقانون، وتلعب دوراً حاسماً في الحفاظ على التوازن بين السلطات وصون الحقوق والحريات، ومن هنا يفترض في جميع القوانين التنظيمية والقوانين الداخلية أنها موافقة للدستور ومطابقة للقانون، وأن إحالتها على المحكمة الدستورية من شأنه أن يوقف الأمر بتنفيذها إلى حين البت فيها في أجل شهرين.
وأضاف المتحدث ذاته، أن اختصاص المحكمة الدستورية هو البت في جوهر القوانين التنظيمية والعادية، وليس في مسطرة تنفيذ مشاريع القوانين، وكانت ملزمة في هذا القرار بالنظر في جوهر النظام الداخلي، وعند عدم البت فيه في أجل شهر يصبح مشروع القانون قابلا للتنفيذ بعد انصرام آجال النظر في مضمونه الذي هو جوهر اختصاص المحكمة الدستورية ولا يمكن لها تجاوزه، وعلى جميع المؤسسات الدستورية أن تنصاع للإرادة العامة المستمدة من الدستور.
في السياق ذاته، قال أجلاب إن الفصل 81 من الدستور ينص، وكما سبقت الإشارة الى ذلك، على أن الحكومة يمكنها إصدار مراسيم بقوانين في الفترة الفاصلة بين الدورات البرلمانية، ولكن هذه المراسيم يجب أن تعرض على البرلمان للمصادقة عليها، وهنا يكمن جوهر المشكلة.
فالمحكمة الدستورية قضت بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة 254 في النظام الداخلي لمجلس النواب لأنها كانت تمنح المجلس صلاحية تعديل مراسيم القوانين، وهذا يتعارض مع الفصل 81 الذي يفرض على البرلمان المصادقة على هذه المراسيم دون تعديل.
واستطرد قائلا، من هنا يجب تعديل الفقرة المخالفة في النظام الداخلي للمجلس بما يتوافق مع الدستور، بحيث يقتصر دور البرلمان على المصادقة على مراسيم القوانين دون تعديل، مع إمكانية مناقشتها، إلى جانب استمرارية البرلمان في ممارسة دوره الرقابي على الحكومة، بما في ذلك مراقبة مدى احترامها للدستور عند إصدار مراسيم القوانين.
وخلص إلى القول إن البرلمان يظل صاحب الاختصاص الأصيل في التشريع وممثل الإرادة العامة للتشريع (الناخبين/المواطنين)، وأن يتمتع بالصلاحيات الكاملة لمناقشة وإقرار القوانين، بما في ذلك القوانين التي تحيل إليها مراسيم القوانين من أجل ضمان الدور الرقابي والتشريعي الكامل للبرلمان وإقرار توازن حقيقي للسلط، من خلال احترام الدستور، ويحمي في نفس الوقت صلاحيات البرلمان في التشريع والرقابة، ويمنع أي تجاوز من قبل السلطة التنفيذية.
ويلعب القضاء الدستوري (المحكمة الدستورية) في هذا الاتجاه، دوراً حيوياً في حماية الدستور، حيث يراقب مدى دستورية القوانين والأنظمة، ويساهم في تحقيق التوازن بين السلطات.
وفي سياق متصل، قال هشام عميري، أستاذ باحث في القانون العام والعلوم السياسية، إن قرار المحكمة الدستورية جاء في إطار احترام الحريات والحقوق، واحترام مضمون الوثيقة الدستورية، لذلك فإن القاضي الدستوري من خلال قراره 255/25، وانطلاقا من رفضه لمضمون المادتين 17 و48 من مشروع قانون المسطرة المدنية، فهو يهدف من ذلك إلى الحفاظ على مبدأ فصل السلط المنصوص عليه في الفصل الأول من دستور 2011.
وأوضح عميري، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن استقلال السلطة القضائية وضمان حقوق الدفاع، هو رهين بتجويد النص القانوني وبملاءمة ذلك النص مع مضمون الوثيقة الدستورية، وبعدم تعدي أي سلطة على اختصاصات باقي السلط، كل هذه الفواعل هي متفاعلة فيما بينها، وإذا لم يتم احترامها من طرف القاضي الدستوري عند مراقبته لدستورية القوانين، فلا يمكن لنا الحديث عن استقلال السلطة القضائية وضمان حقوق الدفاع، خاصة أن المغرب دخل في مرحلة الدساتير الجديدة المرتبطة بالحقوق والحريات.
وبخصوص التناقض الموجود ما بين منح النيابة العامة السلطة المطلقة في الطعن في الأحكام النهائية وتقييدها في متابعة اختلاس المال العام، قال عميري، إن هناك تناقضا مع مضمون الفصل 126 من دستور 2011، الذي يجعل من كون أن الأحكام النهائية ملزمة للجميع، وهو ما ذهبت إليه المحكمة الدستورية برفضه لكونه مخالفا للدستور، خاصة أن مكافحة الفساد وسيادة القانون من المبادئ الدستورية التي يجب الالتزام بها من طرف كافة السلطات العمومية، وهو ما سيؤدي إلى فقدان الثقة في العدالة وضعف المتابعة مع تضارب الأحكام القضائية.