المحكمة الدستورية تحصن المقررات القضائية من طعون النيابة العامة

خديجة عليموسى

صرحت المحكمة الدستورية بعدم مطابقة الفقرة الأولى من المادة 17 من مشروع القانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية،  للدستور، والتي تنص على أنه "يمكن للنيابة العامة المختصة، وإن لم تكن طرفا في الدعوى، ودون التقيد بآجال الطعن المنصوص عليها في المادة السابقة، أن تطلب التصريح ببطلان كل مقرر قضائي يكون من شأنه مخالفة النظام العام، داخل أجل خمس سنوات من تاريخ صيرورة المقرر القضائي حائزا لقوة الشيء المقضي به".

وأوضحت المحكمة، في قرارها، أن الدستور ينص في فصله السادس على أن "القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة"، وفي فصله 117 على أن "القاضي يتولى حماية حقوق الأشخاص والجماعات وأمنهم القضائي"، بينما تنص الفقرة الأولى من الفصل 126 على أن "الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع".

وضمن حيثيات قرارها، اعتبرت المحكمة أنه "لا يسوغ، في ظل الدستور، أن يتم التصريح ببطلان المقرر القضائي الحائز لقوة الشيء المقضي به، إلا من قبل السلطة القضائية المستقلة، التي يمارسها القضاة المزاولون فعليا مهامهم القضائية بمحاكم التنظيم القضائي، طبقا للفقرة الأخيرة من المادة الثانية من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية".

وتابعت المحكمة الدستورية مبينة بالقول "وإن كان القانون قد أسند إلى النيابة العامة المختصة، وهي التي تناط بها حماية النظام العام والعمل على صيانته، طلب التصريح ببطلان المقرر القضائي المشار إليه في الفقرة الأولى من المادة 17 المعروضة، مما لا يشكل، في حد ذاته، مخالفة للدستور، فإن نفس الدستور كفل بمقتضى مبدأ الأمن القضائي، للمحكوم لصالحهم الحق في تمسكهم بحجية المقررات القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به، وإنفاذ آثارها".

وأضافت في قرارها "إن كانت حماية المشرع للنظام العام في مجال التنظيم الإجرائي للدعاوى المدنية، تشكل في حد ذاتها، هدفا مشروعا لا يخالف الدستور، فإنه يتعين على المشرع، عند مباشرة ذلك، استنفاذ كامل صلاحيته في التشريع، والموازنة بين الحقوق والمبادئ والأهداف المقررة بموجب أحكام الدستور أو المستفادة منها".

وأكدت المحكمة أن الفقرة الأولى من المادة 17 خلت من التنصيص على "حالات محددة يمكن فيها للنيابة العامة المختصة طلب التصريح ببطلان المقررات القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به التي يكون من شأنها مخالفة النظام العام".

وأشارت إلى أن الفقرة المذكورة "اكتفت بتخويل هذه الصلاحية للنيابة العامة المختصة، تأسيسا على هذه العلة، ومنحت، تبعا لذلك، للنيابة العامة، طالبة التصريح بالبطلان، وللجهة القضائية التي تقرره، سلطة تقديرية غير مألوفة تستقل بها دون ضوابط موضوعية يحددها القانون، بما يتجاوز نطاق الاستثناء على حجية المقررات القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به، ويمس بمبدأ الأمن القضائي".

وتبعا لذلك، تضيف المحكمة الدستورية، أن المشرع قد "أغفل تحديد ما أسنده له الدستور في مجال التنظيم الإجرائي للدعاوى الخاضعة للمسطرة المدنية، ضمن النطاق الموضوعي للبند التاسع من الفقرة الأولى من الفصل 71 من الدستور"، مما تكون معه الفقرة الأولى من المادة 17، بصيغتها المعروضة، غير مطابقة للدستور، وفق قرار المحكمة الدستورية.