أطلق المفكر التونسي، يوسف الصديق، سلسلة من الأطروحات التي تقلب رأسا على عقب الكثير من المسلمات في الفكر الإسلامي التقليدي، معتبرا أن "مؤسسة التفسير" التاريخية قد "زيفت" النص القرآني وأنتجت مفاهيم كـ"الشريعة" و"سنة الرسول" التي وصفها بأنها "لا وجود لها في النص الأصلي بمعناها المتداول".
جاء ذلك خلال مشاركته في ندوة "حدود إعمال النظر العقلي في فهم وتأويل التراث" ضمن فعاليات مهرجان "ثويزا" مساء السبت، 26 يوليوز 2025، إلى جانب الفيلسوف محمد المصباحي، والتي أدارها المؤرخ محمد جبرون.
"إسلام التفسير"
انطلق الصديق من فكرة محورية مفادها أن هناك صراعا تاريخيا بين "إسلام القرآن" كنص مفتوح، و"إسلام التفسير" الذي صنعه الفقهاء عبر القرون.
وأعلن بشكل حاسم أن "إسلام التفسير هو الذي انتصر".
وانتقد كبار المفسرين قائلا إنهم "اكتفوا بمؤسسة اختلقوها لم تكن موجودة"، وضرب مثالا بكتب التفسير التي "تخترع" تفاصيل لا أصل لها كأسماء فرعون موسى ونسبه "وكأنه الطفل الذي يخترع الأشياء". وخلص إلى أن التفاسير الحالية هي "كذب وتزييف".
في واحدة من أكثر أطروحاته إثارة للجدل، أكد الصديق أن القرآن نفسه يقر بما أسماه "فشلا مؤقتا" للرسالة المحمدية في حياة النبي.
واستشهد بآيات من أواخر السور نزولا، مثل سورة الصف، حيث يخاطب الله المؤمنين بقوله "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون"، معتبرا أن هذا "اعتراف بفشل هذه الرسالة" مع الصحابة أنفسهم.
واستشهد بآية سورة التوبة "وممن حولك من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم"، ليوضح أن النص نفسه أعلن يأسه من حل مشكلة النفاق المحيطة بالرسول.
وشدّد على أن هذا ليس فشلا في عظمة الرسالة، بل "فشل المرسل إليه، وفشل القارئ في أن يستوعب هذه الرسالة الكبيرة".
لا "شريعة" ولا "سنة"
ولتأكيد أطروحته، فكك الصديق مفاهيم مركزية في الفكر الإسلامي، حيث أكد أن مفهوم "الشريعة" بمعنى القانون الإلهي الملزم "لم يأت أبدا في القرآن بهذا المعنى"، وأن هذا المفهوم تم "اختلاقه" لاحقا.
وتابع بنفس المنهج ليؤكد أن مفهوم "سنة الرسول" بالمعنى التشريعي العام "غير موجود في القرآن"، وأن الاستدلال بآية "ما آتاكم الرسول فخذوه" هو تزييف، لأن سياقها في سورة الحشر يتعلق بـ"الغنائم" وتوزيعها، وليس بتشريع عام لكل مناحي الحياة.
رفض أدوات التفسير التقليدية
لم يتوقف نقد الصديق عند المفاهيم الكبرى، بل طال أيضا الأدوات التي استخدمتها مؤسسة التفسير، حيث أعلن أن مفهوم "النسخ والمنسوخ" في القرآن هو أمر "لا يقبله العقل"، لأن فكرة أن يندم الإله على آية ثم يأتي بأخرى تناقضها هو أمر غير منطقي.
وانتقد عدم اعتراف المفسرين بـ"الجملة الاعتراضية" في النحو القرآني، مما أدى إلى سوء فهم لآيات كبرى مثل "الآيات المحكمات".
حدود العقل والإيمان
وردا على سؤال من الجمهور حول ما إذا كان يعتبر الوحي "إنتاجا بشريا"، وضع الصديق حدا فاصلا بين مجال العقل ومجال الإيمان.
شبه النص القرآني بنصوص شكسبير قائلا: "لو علمت إنسانا ألف سنة الإنجليزية لما تقدم ببيت واحد من شكسبير، لأنه مفرد، كما أن القرآن مفرد".
وأضاف أن الاعتقاد بأن تفرده "جاي من الله، هذي عقيدتك، عقليا لا تستطيع إثباتها".
وخلص إلى أن الإيمان بالله في نهاية المطاف هو "قضية إيمانية وليست قضية عقلانية"، ولا يجب الخلط بينهما.
لم تمر أطروحات يوسف الصديق دون ردود من محاوريه، الفيلسوف محمد المصباحي والمؤرخ محمد جبرون، اللذين قدما نقدا منهجيا لأفكاره.
القرآن محرك لحضارة ممتدة
انطلق المصباحي من مبدأ أن "الاختلاف رحمة، ولكن المبالغة في الاختلاف ليست رحمة"، معتبرا أن نفي وجود الوحي والشريعة واعتبار التفاسير مجرد "تقولات" هو أمر مبالغ فيه.
وردا على فكرة "فشل الرسالة"، أكد المصباحي أن القرآن "هو المحرك الأول لحضارة هائلة تمتد من جبل طارق إلى إندونيسيا"، ولا يمكن أن يكون هذا الأثر الهائل قد نتج عن نص فاشل أو غير مفهوم.
واعتبر أن القرآن هو "فلسفة بالقوة، تنتظر من الإنسان أن يخرجها من القوة إلى الفعل"، وانتقد منهج الصديق في الاعتماد على "كلمات طائشة" لإعادة بناء فهم كامل للدين.
العقل والتاريخ
من جهته، وجه المؤرخ محمد جبرون تحديا مباشرا لمنهجية الصديق، حيث تساءل باستنكار: "على مدى 1400 عام وأمام كوكبة من العقول من إخوان الصفا إلى ابن خلدون وابن سينا، هل هؤلاء كلهم جهلوا ما تدعو إليه حتى يأتي يوسف الصديق في القرن العشرين ليلفت انتباهنا؟".
واعتبر جبرون أن القول بأن "الحديث كله كذب" هو "كلام مجانب للعلم" لم يقل به حتى أشد خصوم الإسلام تطرفا.
وأشار إلى أن علم الحديث ومصداقيته خضع لدراسات علمية حديثة، بما في ذلك الأنثروبولوجيا ودراسة النقوش الصخرية والوثائق التاريخية التي تثبت وجود أقوال موثوقة للنبي.
وخلص جبرون إلى أن أطروحات الصديق هي "دعاوى من الصعب إثباتها علميا"، معتبرا أنها تفتقر إلى "الأساس العقلي" وتعتمد على "تفسيرات شاذة لم يقل بها أحد".
