الصحة.. بـ"يد الله"!

أحمد مدياني
أحمد مدياني

إن لم يرتبط التحرك باختلالات مباشرة وقعت في حينها، أو استغلال للمنصب والنفوذ، أو واقعة تهم نهب المال العام أو الارتشاء أو تضارب فاضح للمصالح... لا أجد أن هناك حاجة طارئة لرفع حماس الجمهور لمطالبة وزير بالاستقالة أو حتى إعفائه.

يوم أمس الثلاثاء أشفقت على وزير الصحة، أمين التهراوي، وأنا أتابع مشاهد زيارته لمستشفى الحسن الثاني بأكادير، عقب وقفة احتجاجية أمامه، يظهر أنه تم التحضير والتنسيق لها باحترافية عالية.

جل المغاربة لا يعرفون الوزير، اسمه غير متداول على الألسن رغم ارتباطه بقطاع اجتماعي محوري. كثيرون تعرفوا عليه أخيرا بداية الأسبوع الجاري، سمعوا نبرة صوته، اكتشفوا ملامح رجلٍ وكأنه شابٌ دشن توا إقباله على الحياة المهنية.

حين تعرفوا عليه، مروا مباشرة للمطالبة باستقالته أو إعفائه.

وقف التهراوي وتحرك، وهو ينصت للأطر الطبية والصحية داخل ما أصبح يوصف بـ"مستشفى الموت"، في حالة الذي يجتاز مقابلة توظيف... ظهر أنه تائه وسط تفاصيل قطاع لا يفقه فيه ما يجب لتدبير يومياته والتأشير على مشاريعه وخطط تنزيل الآنية منها والمستقبلية.

هل يحتاج إلى ذلك أصلا؟

لنؤجل الجواب إلى حين، بعدما نُذكر في فقرة قصيرة من أين "استُقطِب" لشغل مهمة وزير.

حين عُين التهراوي، باقتراح من أخنوش، شرع المهتمون بضبط خلفيات الوزراء الجدد في النبش حول هويته ومساره.

ماذا وجدوا؟

بعد تجربة مهنية داخل القطاع البنكي... تقلد مناصب تنفيذية بمجموعتي "أكسال" و"أكوا" المملوكتين لرئيس الحكومة وزوجته... ثم عين مديرا عاما لتطوير المراكز التجارية للمجموعة الأولى.

كان هذا باختصار مسار التهراوي قبل ولوجه حكومة تعديل أكتوبر 2024.

إذن، لنعد إلى الإجابة عن سؤال: هل يحتاج أصلا إلى الاجتهاد لوضع مشاريع القطاع وخطط تنزيلها الآنية منها والمستقبلية؟

بتاريخ 30 نونبر 2023 تم إحداث الهيئة العليا للصحة بموجب القانون رقم 07.22، وهي هيئة مستقلة من مهامها "التأطير التقني للتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وتقييم جودة خدمات المؤسسات الصحية بالقطاعين العام والخاص، وإبداء الرأي في التوجهات العامة والسياسات العمومية في الميدان الصحي على المدى القريب والمتوسط والبعيد، وكذا تقييم المقترحات والتوصيات".

ماذا تبقى لوزارة الصحة أمام هذه الاختصاصات وأخرى؟

لا شيء تقريبا، باستثناء تدبير الموارد البشرية والإشراف على السير الإداري والتقني للمرافق الصحية بعد تشييدها. مع بعض اختصاصات مرتبطة أساسا بالإشراف السياسي على القطاع، بشرط وجود شخصية تتحمله أصلاً.

أخنوش اقترح إطارا إداريا سابقا عنده وعند زوجته ليكون وزيرا للصحة.

الملك محمد السادس عين، شهر أكتوبر من العام المنصرم، بظهير شريف، مصطفى أبو معروف رئيسا للهيئة العليا للصحة، وهو مدير سابق لمستشفى الأطفال بالمستشفى الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، وعميد سابق لكلية الطب والصيدلة بنفس المدينة، راكم طيلة سنوات خبرة طويلة داخل القطاع الصحي.

أمام ما سبق، أرى أن ما هو أولى برفع حماس الدفع به لدى عموم المغاربة، ليست المطالبة بالاستقالة أو الإعفاء، بل طرح سؤال:

هل مايزال المغرب في حاجة لوزارة الصحة من الأساس؟

قطاع حاله يشبه حال التعليم... أعطابه نتاج تراكمات، فصلها يقود مباشرة نحو استمرارها... أنهكته طيلة عقود مزايدات سياسوية... وأطماع حصد غنائم مشاريعه على حساب صحة المغاربة... وهو يتجه بدوره بعدما تم تنزيل التأمين الإجباري الأساسي عن المرض ليكون حصرا بيد حيتان القطاع الخاص.

هل هناك أمل؟ نعم ليس مستحيلا...

أمل أن تُخرج الهيئة العليا للصحة القطاع من استمرار ترديد لازمة تجاهه، أبدعتها سخرية الأقدار حين وصل محمد الشيخ بيد الله لكرسي الوزارة.

حينها، كلما سألت عن واقع الصحة بالمغرب، يأتيك الجواب بأنها: بـ"يد الله"!