تحول تنفيذ حكم قضائي بفتح طريق مؤدية إلى مقلع للأحجار بجماعة سيدي عيسى بن سليمان، بإقليم قلعة السراغنة، إلى مواجهات عنيفة بين محتجين وعناصر من الدرك الملكي والقوات المساعدة، أسفرت عن إصابات في صفوف القوات العمومية وتخريب ممتلكات.
ووفق معطيات حصل عليها "تيلكيل عربي"، فإن العملية تدخل في إطار تنفيذ حكم قضائي نهائي يقضي بفتح الطريق المؤدية إلى مشروع مقلع حصل صاحبه على مختلف التراخيص القانونية، من بينها تراخيص وزارة التجهيز والحوض المائي والبيئة والسلطات الترابية، غير أن التنفيذ اصطدم برفض من طرف عدد من سكان الدواوير المجاورة.
بداية الشرارة.. احتجاجات ميدانية
تفجر الخلاف في فبراير 2024، بعدما بدأ المستثمر أشغال تهيئة المشروع الذي انطلق التحضير له منذ سنة 2019، قبل أن تتطور الأمور إلى احتجاجات قادها بعض السكان بمبرر التخوف من التأثيرات البيئية للمقلع.
وتشير مصادر "تيلكيل عربي" إلى أن التعبئة ضد المشروع انطلقت سنة 2024 داخل أحد المساجد بعد صلاة الجمعة، حيث دعا شاب الساكنة إلى رفض المشروع بسبب آثاره البيئية، قبل أن تنتقل الاحتجاجات إلى الشارع من خلال وقفات أمام العمالة وسرية الدرك الملكي، ثم أمام موقع المقلع.
وأضافت أنه لم يتم تسجيل أي طعن قبل انطلاق أشغال المشروع، الذي يقام على حوالي 8 هكتارات، موضحة أن الطريق موضوع النزاع كانت موجودة في السابق في إطار ما جرى به العمل داخل المجال القروي، حيث تتوافق الساكنة على ترك جزء من الأراضي لفتح مسالك لفائدة الاستعمال الجماعي، وهو ما أظهرته صور الأقمار الاصطناعية، وقد تم استغلال هذه الطريق فعليا خلال مرحلة إنجاز أشغال بناء المشروع، قبل أن تتحول لاحقا إلى موضوع خلاف.
مسار قضائي
بلغ التوتر ذروته عندما أقدم محتجون على إغلاق الطريق المؤدية إلى المشروع باستعمال الحجارة خلال الليل، ما دفع صاحب المشروع إلى اللجوء إلى القضاء، بعد توثيق الواقعة بواسطة مفوض قضائي.
وبعد سلسلة من الإجراءات، أمرت محكمة الاستئناف بمراكش بإجراء خبرة ميدانية، خلصت إلى أن الطريق موضوع النزاع قائمة منذ سنوات، قبل أن تصدر المحكمة حكما سنة 2025 قضى بفتح الطريق، إضافة إلى أحكام تراوحت بين الحبس موقوف التنفيذ وغرامات مالية في حق الذين قاموا بعرقلة المرور إلى المشروع.
وخلال المحاولة الأولى لتنفيذ الحكم، حضرت السلطات وعناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة، غير أن العملية لم تتم بسبب غياب الخبير المكلف بالمعاينة التقنية، ما أدى إلى تأجيل التنفيذ.
وفي 24 مارس 2026، انتقلت السلطات إلى تنفيذ الحكم القضائي بحضور تعزيزات أمنية مهمة شملت عناصر من الدرك الملكي والقوات المساعدة، غير أن العملية واجهت مقاومة من طرف المحتجين.
وحسب الفيديوهات التي وثقت عملية التنفيذ، فقد تجمع عدد كبير من سكان دوار "أولاد الرامي" والدواوير، من بينهم نساء وأطفال تصدروا الاحتجاج، في محاولة لعرقلة التنفيذ، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهات مباشرة تخللتها عمليات رشق مكثف بالحجارة.
وأسفرت هذه الاعتداءات عن إصابات في صفوف عناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة، من بينها إصابة مسؤول أمني على مستوى الرأس استدعت نقله إلى مصحة لتلقي العلاجات، كما تعرضت سيارة إسعاف للتخريب أثناء تدخلها.
وأمام تصاعد العنف، تدخلت القوات العمومية لتفريق المحتجين، حيث تم استعمال القنابل المسيلة للدموع بشكل محدود، بعد فشل محاولات التهدئة، رغم توجيه نداءات متكررة لاحترام القانون وتنفيذ الحكم القضائي.
وأوضحت المصادر ذاتها أن القوات العمومية حاولت إقناع المحتجين بأن الأمر يتعلق بحكم قضائي واجب التنفيذ، وأن أي اعتراض عليه يجب أن يتم عبر المساطر القانونية وليس عبر العرقلة.
وقبل الوصول إلى هذه المرحلة، كانت السلطات قد بادرت إلى عقد لقاءات للحوار بمقر قيادة سيدي عيسى بن سليمان، بحضور القائد ورئيس الجماعة وعدد من المسؤولين الإقليميين، حيث تم الاتفاق على تهدئة الأوضاع وإيجاد حلول توافقية .
في المقابل، أوضحت مصادر مقربة من المستثمر أنه يواجه التزامات مالية تجاه الأبناك، إلى جانب استمرار أداء رسوم الاستغلال رغم عدم انطلاق النشاط، ما يزيد من حجم الخسائر، علما أن المشروع لا يزال في انتظار الانطلاقة، كما أشارت إلى أن اليد العاملة التي اشتغلت في البناء تنحدر من الدوار الذي أقيم فيه المشروع.
وأضافت المصادر أن المشروع، الذي تشرف عليه إحدى الشركات، بلغت كلفة إنجازه 3.99 مليون درهم، وهي كلفة تشمل أشغال البناء والتجهيزات الأساسية فقط، دون احتساب ثمن العقار والآليات الصناعية الثقيلة.

توقيفات ومتابعات مرتقبة
عقب الأحداث، التي وثقتها عدد من الفيديوهات، تم توقيف عدد من المشتبه في تورطهم في أعمال العنف، فيما تتواصل التحقيقات لتحديد باقي المسؤوليات، حيث جرى اعتقال ثلاثة أفراد واستدعاء آخرين.
وتكشف الفيديوهات المتداولة يوم الاحتجاج أن مطالب السكان تركزت أساسا حول رفض إحداث المقلع داخل المجال القروي، ومنع الشروع في استغلاله عبر عدم فتح الطريق المؤدية إليه، باعتبارها المدخل العملي لتشغيل المشروع.
وعبر المحتجون بشكل متكرر عن تخوفات مرتبطة بما وصفوه بـ"الأضرار البيئية المحتملة"، خاصة تأثير الغبار والضجيج، وانعكاسات المشروع على الأراضي الفلاحية المجاورة، ولاسيما ضيعات الزيتون التي تشكل موردا أساسيا لعدد من الأسر.
كما أعلنوا رفضهم المشروع، معتبرين أن إقامة مقلع بالقرب من الدواوير السكنية لا يراعي خصوصية المنطقة ولا نمط عيشها.
في المقابل، أوضح مصدر مقرب من الشركة أن الساكنة لم تسجل أي احتجاجات سابقة، ولم تتقدم بأي طعن، وهو ما دفع المستثمر إلى المضي قدما في تنزيل مشروعه والحصول على كافة التراخيص والوثائق اللازمة.
ووفق بلاغ متداول منسوب لساكنة دوار "أولاد الرامي"، فقد عبرت الساكنة عن رفضها للرواية المتداولة بشأن تنفيذ حكم قضائي يقضي بفتح طريق نحو مقلع لتكسير الأحجار، موضحة أن المعطيات المقدمة "لا تعكس الحقيقة الكاملة للأحداث".
وأفاد البلاغ بأن الأرض موضوع النزاع تندرج ضمن ملكيات خاصة تعود لعدة عائلات بالمنطقة، مشيرا إلى أنه "لم تكن هناك طريق عمومية في الأصل"، وهو ما يجعل تنفيذ الحكم القضائي، بحسب المصدر ذاته، محل اعتراض واسع من طرف الساكنة والملاك المتضررين، الذين يعتبرون أنفسهم ضحايا "الترامي على ملكهم بدون وجه حق".
وفي السياق ذاته، قالت الساكنة إن الاحتجاج الذي تم تنظيمه كان "سلميا وحضاريا"، ويهدف أساسا إلى الدفاع عن الأراضي والبيئة والصحة العامة، خاصة في ظل المخاوف المرتبطة بما قد يخلفه مشروع مقلع تكسير الأحجار من أضرار محتملة على الساكنة والفرشة المائية والأراضي الفلاحية.
وجددت ساكنة سيدي عيسى بن سليمان، حسب البلاغ ذاته، تمسكها بحقها المشروع في الاحتجاج السلمي والدفاع عن أراضيها وحقوقها في إطار القانون، مع الدعوة إلى فتح حوار مسؤول وإجراء تحقيق محايد في مختلف ملابسات الواقعة.
كما دعت الساكنة مختلف الجهات المعنية إلى تحمل مسؤولياتها، والعمل على إيجاد حل عادل ومنصف يحفظ حقوق الملاك ويضمن الاستقرار الاجتماعي بالمنطقة.
وسبق للسكان أن قاموا بعدة وقفات احتجاجية، كما وجهوا ما لا يقل عن 10 شكايات إلى مؤسسات عمومية مختلفة، وفق تصريحات لهم، مطالبين بالتدخل لوقف ما وصفوه بـ"التجاوزات" المرتبطة بالمشروع.
