انتقادات حادة ترافق قانون التعليم العالي.. الوزير متهم بتحويل الجامعات إلى ملحقات إدارية

خديجة عليموسى

أثار مشروع القانون 24.59 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، المرتقب عرضه على أنظار المجلس الحكومي، يوم  الخميس المقبل، موجة انتقادات واسعة من مختلف الفاعلين السياسيين والجامعيين، الذين يعتبرون أن النص يتضمن مقتضيات تمس بجوهر الديمقراطية الجامعية وتفتح الباب أمام خوصصة التعليم العالي وتقليص صلاحيات الهياكل المنتخبة.

وفي هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية فاطمة التامني، عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، سؤالا كتابيا إلى وزير  التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، حول مشروع القانون وما يحمله من تهديد لمكتسبات الجامعة العمومية.

وأبرزت التامني في  سؤالها، أن "المشروع تم إعداده في غياب إشراك فعلي للمكونات الجامعية الأساسية من أساتذة ونقابات وطلبة، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول المقاربة التشاركية".

وأضافت أن النص التشريعي "يتضمن مقتضيات تمس بجوهر الديمقراطية الجامعية، حيث يعمل على تقليص صلاحيات المجالس المنتخبة، ويفتح الباب أمام منطق المقاولة بدل استقلالية الجامعة، فضلا عن مأسسة انسحاب الدولة من تمويل الجامعات العمومية لفائدة القطاع الخاص".

وأكدت التامني أن "الأخطر من ذلك هو سحب المادة 72 من القانون 01.00، التي كانت تضمن قانونيا وجود مكاتب ومجالس الطلبة، وتعويضها بمقتضيات في المادتين 88 و89 من المشروع الجديد، التي لا تسمح إلا بإنشاء أندية ثقافية أو فنية أو رياضية، تحت قيود صارمة، وهو ما يُفقد بشكل مباشر الحق المشروع للطلبة في التنظيم والتمثيل والدفاع عن حقوقهم".

احتجاج الموظفين

من جهته، قال عبد اللطيف آيت بن بلا، الكاتب العام للنقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إنهم يرفضون ما تضمنه مشروع القانون، لا سيما المادة 84 التي يتبين من خلالها أن موظفي الجامعات سيكونون تابعين للجامعات بدل الإدارة المركزية.

وأوضح، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن موظفي التعليم العالي يوجدون بالجامعات وبالإدارة المركزية وبالأحياء الجامعية وبالمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، متسائلا عما إذا كان ما تضمنه مشروع القانون مجرد سهو أم أمرا مقصودا، محذرا من أن يتحول موظفو الجامعات إلى ما يشبه وضعية أساتذة الأكاديميات أو مجرد مستخدمين لدى الجامعات.

وعبر عن رفضه لما جاء به مشروع القانون في هذا الجانب، معتبرا الأمر خطيرا و"قرارا ملغوما" يجب مراجعته، مضيفا أن ما ورد في المشروع يوحي بأنه سيكون هناك نظام أساسي خاص بموظفي الجامعات، في حين أن المكونات النقابية تنتظر إخراج مشروع النظام الأساسي لموظفي التعليم العالي.

ووفق ما تنص عليه المادة 84 من مشروع القانون، فإن الجامعات تتوفر على موظفين إداريين وتقنيين يحدد نظامهم الأساسي بمرسوم.

وقد أصدرت النقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بيانا تتهم فيه الوزارة بالتماطل في إخراج النظام الأساسي لموظفي التعليم العالي، الذي تم الاتفاق بشأنه في مراحل سابقة لكنه لا يزال يراوح مكانه بدعوى المساطر الإدارية.

 وأضافت أن وزير التعليم العالي يواصل "الهروب من الحوار" مع النقابة الأولى في القطاع، رغم التزام رئيس الحكومة بالتدخل لدى الوزير لفتح حوار يفضي إلى نزع فتيل التوتر.

وأعلنت النقابة عن برنامج احتجاجي، ينطلق بإضراب وطني لمدة 48 ساعة يومي 2 و3 شتنبر 2025، ثم إضراب وطني آخر لمدة 72 ساعة أيام 9 و10 و11 شتنبر 2025، يتخلله تنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر وزارة التعليم العالي يوم 10 شتنبر، على أن تليه احتجاجات أخرى.

واحتجت النقابة على ما وصفته بـ"استمرار التماطل في إخراج النظام الأساسي لموظفي التعليم العالي الذي تم التوافق حوله، مقابل التسريع بإخراج مشروع قانون التعليم العالي دون حتى استشارة النقابات بشأنه".

نكسة ديمقراطية

ومن جانبهم، اعتبر تيار الأساتذة الباحثين التقدميين في النقابة الوطنية للتعليم العالي أن "هذا المشروع لا يمثل إصلاحا، بل هو نكسة ديمقراطية وضربة موجعة للجامعة العمومية"، مبرزا أنه "يفرغ القانون 01.00 – رغم نواقصه – من روحه الإصلاحية، ويحيل الجامعة إلى فضاء إداري تابع للوزارة، منزوع الصلاحيات الديمقراطية".

وأضاف تيار الأساتذة الباحثين التقدميين، في بيان لهم، أن المشروع "يضرب الهياكل المنتخبة في العمق، سواء تعلق الأمر بمجالس الجامعات أو مجالس المؤسسات الجامعية أو الشعب أو المختبرات، ويحولها إلى مجرد أجهزة شكلية بلا صلاحيات"، مسجلا في المقابل أنه يمنح سلطات واسعة للإدارة عبر ما سمي "مجلس الأمناء"، الذي وصف بأنه "مجلس وصاية وتحكم".

واعتبر التيار أن النص الجديد "يشكل خيانة للجامعة العمومية واعتداء على استقلالية الأستاذ الباحث وتلاعبا بمصير بنات وأبناء الشعب المغربي"، مؤكدا أنه "يندرج ضمن مخطط خصخصة مقنعة للتعليم العالي، يهدف إلى تسليع المعرفة وتحويل الأستاذ إلى منفذ تقني والطالب إلى زبون".

كما أشار البيان إلى أن المشروع "يتعارض مع الفصول الدستورية 31 و33 و154، التي تكفل الحق في تعليم جيد والمشاركة الديمقراطية والحكامة الرشيدة"، مضيفا أنه "يتناقض مع المواثيق الدولية التي التزم بها المغرب، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 26) والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 13) والهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة".

وفي هذا السياق، دعا تيار الأساتذة الباحثين التقدميين المكتب الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العالي إلى "عقد اجتماع عاجل للجنة الإدارية قصد بلورة خطة نضالية واضحة وحازمة"، مطالبا في الوقت ذاته بـ"إطلاق دينامية احتجاجية تصعيدية تشمل جميع الأشكال المشروعة، وفي مقدمتها الإضراب الوطني المفتوح".

استقلالية الجامعة

وكان المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي قد أصدر رأيه حول مشروع القانون المذكور، حيث اعتبر أن "استقلالية الجامعة، وعلى الخصوص الجامعة العمومية، على المستويات البيداغوجية والعلمية والإدارية، خيار أساسي تدعمه الدولة لضمان جودة التعليم العالي، وتعزيز دينامية البحث والابتكار، ومدخل استراتيجي لإرساء حكامة ناجعة في منظومة التعليم العالي، على نحو يضمن لها إمكانية الاضطلاع الكامل بأدوارها العلمية والتكوينية والتنموية؛ وذلك ضمن إطار تعاقدي قائم على النتائج والمساءلة، ويسمح لها بالتكيف مع التحولات المجتمعية والتكنولوجية، وتطوير شراكات مبتكرة، وتعزيز قدراتها على التأطير والبحث والابتكار".

وأوصى المجلس بإدماج الجامعة، بشكل ديناميكي، في مشروع مجتمعي متجدد، تكون فيه الفضاء الأمثل لاستكمال تكوين جيل من الشباب المفكر والمواطن والمسؤول والمبدع والمبتكر، الذي يعبئ قدراته ومؤهلاته في حياته الشخصية، والاجتماعية، والمهنية على السواء.

كما أكد على  "الموقع الريادي للجامعة العمومية، باعتبارها ركيزة أساسية في المشروع التنموي الوطني لبلادنا، وجعلها تلعب دورا بنيويا ومحوريا كمركز للتميز الأكاديمي والعلمي؛ جامعة تضمن الولوج المنصف والمتكافئ، والعدالة المعرفية، وترسخ الاستحقاق، وتتحمل مسؤولية إنتاج المعرفة والتكنولوجيا لخدمة المصلحة العامة، وتعمل على تكوين النخب المواطنة، مع تعزيز التنوع الاجتماعي والثقافي والمجالي".