بين الإعفاء الضريبي والاستيراد.. مستشار فلاحي: غياب الاستدامة يهدد مستقبل الاستثمار في القطاع الحيواني

خديجة قدوري

قال وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أحمد البواري، إن البرنامج الوطني لإعادة تشكيل القطيع الوطني (2025-2026) مكن من تكوين قاعدة بيانات دقيقة تضم حوالي 32.8 مليون رأس من الماشية ومليونا و200 ألف كساب.

وفي ما يتعلق بالدعم المباشر، أوضح البواري في معرض جوابه عن أسئلة شفهية بمجلس المستشارين حول "تدابير الحفاظ على القطيع الوطني وتقويته" أنه يهم القطيع المحصى والحامل للحلقات المرقمة، وفق صيغ محددة، موضحا أنه بالنسبة للأغنام، حدد الدعم في 150 درهما للرأس للرؤوس العشرة الأولى، و125 درهما للرأس من 11 إلى 50 رأسا، و100 درهم للرأس من 51 إلى 100 رأس، و75 درهما لما يفوق 100 رأس.

تساقطات مطرية تحيي آمال الكسابة

في هذا السياق، قال عبد الحق البوتشيشي، نائب رئيس الفدرالية المغربية لمقاولات التحسين الوراثي الحيواني والمستشار الفلاحي المعتمد من طرف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، إنه بعد سبع سنوات من الجفاف، شهدت هذه السنة تساقطات مطرية مهمة من شأنها أن تؤثر بشكل إيجابي على الفلاحة، والسدود وكذلك الفرشة المائية والوديان، على اعتبار أن الإكراه الوحيد هو الموارد المائية، ومع انتعاش هذه الأخيرة ستحيي المراعي بنسبة كبيرة كما هو الشأن في المنطقة الشرقية حيث تزدهر تربية الأغنام والماعز، ونجد مراعي شاسعة، وكذلك الغطاء النباتي والأشجار العلفية.

وفي المقابل، اعتبر البوتشيشي، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، أن تأثير هذه التساقطات المطرية لن نلمسه بين أسبوع أو أسبوعين، إذ نعلم أنه خلال هذه الفترة لا تكون النباتات والعشب في المراعي متوفرة بكثرة ولا بجودة جيدة.

تراجع رؤوس الأبقار بنسبة 30 بالمائة ينذر بأزمة في القطاع

في هذا الإطار، أبرز البوتشيشي، في معرض حديثه، أن الكساب في المغرب يقتني، منذ سنوات الأعلاف الخشنة والحبوب والأعلاف المركبة، وقد ساهمت التساقطات الأخيرة في استقرار وخفض أثمنة الأعلاف الخشنة مثل التبن والفصة، وحتى المضاربين والمحتكرين الذين يتركونها في "النوادر"، أصبحوا مجبرين على بيعها في هذه الفترة.

وأشار البوتشيشي إلى أن هناك مسألة يجب الانتباه إليها كثيرا متمثلة في الإحصاء الذي أنجزته وزارتا الفلاحة والداخلية بالنسبة لقطيع الأبقار، إذ نجد فيه أن مليونا ونصف مليون من الأبقار "الإناث" تشمل أيضا "العجلة، والبقرة الضارة، والبقرة الخاوية ".

وأضاف أن التقرير يشير إلى أن قطاع الأبقار عرف تراجعا حادا بنسبة 30 بالمائة، وهذا الأخير يدفعنا إلى النظر إلى التدابير التي اتخذتها وزارة الفلاحة أو الحكومة للنهوض بهذا القطاع، إذا رأينا فقط الدعم المباشر الذي تقاضاه الكسابة، والذي يتراوح ما بين 150 و400 درهم عن الأبقار، يظهر أنه عند تقسيمه على 365 يوما لا يتجاوز درهما و10 سنتيمات يوميا لتغذية البقرة، وهو مبلغ يكاد لا يذكر.

وأفاد البوتشيشي أنه عندما نصل إلى مليون ونصف رأس يجب أن نطلق صافرات الإنذار، لأنه إذا بقينا على هذا المنوال سننتقل من سيء إلى أسوأ، وإذا أنجزنا اليوم إحصاء سنجد أن العدد انخفض عن مليون ونصف، وعلى الرغم من التساقطات المطرية الأخيرة إلا أن استيراد الأبقار من أوروبا متوقف نظرا لأمراض الجلد التي تعرفها أوروبا، ولهذا منعت الدولة الاستيراد من هذه الدول لحماية القطيع الوطني.

استيراد العجول يضر بالكسابة والمنتوج الوطني

واستطرد البوتشيشي قائلا إن الأعلاف التي نعتمدها مستوردة 100 بالمائة، ومباشرة بعد الدعم المباشر الذي تلقاه الكسابة شهدت أسعار الأعلاف ارتفاعا ملحوظا، فالشعير المستورد الذي أعلن وزير الفلاحة في شهر ماي عن دعمه بكمية 7 ملايين قنطار بسعر 1.5 درهم للقنطار والذي سيتغير بدعم مادي مباشر، تجاوز 3.5 دراهم، كما ارتفعت أسعار الصوجا لتقترب من 5.5 دراهم، والذرة إلى 3.70 دراهم، مما رفع بشكل كبير تكلفة إنتاج كيلوغرام واحد من اللحم.

وأضاف أنه ليس هناك تكافؤ للفرص، ففي الوقت الذي تقر فيه الحكومة إعفاء ضريبيا وجمركيا من الرسوم على العجول المعدة للذبح المستوردة من أمريكا اللاتينية خصوصا من البرازيل والبيرو، نجد أن الكساب المغربي يؤدي 10 في المائة من القيمة المضافة على الأعلاف المسوقة داخليا.

وتابع قائلا إن الدولة قامت بقراءة استباقية وعرفت أن هناك خصاصا في القطيع، ومن أجل التخفيف على المستهلك اعتمدت بادرة الإعفاء من الضرائب، وكذلك رسوم  الاستيراد، فتم إغراق السوق بالعجول المستوردة المعدة منها للتسمين وللذبح، بينما ظلت تكاليف العجول المحلية مرتفعة، فالكساب يبيع العجل المحلي بـ 90 درهما للكيلوغرام، وفي ظل هذه الأثمنة يلجأ الجزار إلى العجول المستوردة ويتخلى عن عجل البلاد، لأن ما يهمه في النهاية هو هامش الربح.

وأشار البوتشيشي إلى أنه عندما نذهب إلى المجازر الكبرى، الدارالبيضاء مثلا،  نجد أن 90 بالمائة من العجول المعدة للذبح مستوردة، ولكن المشكل يتجلى في أن المستفيد من هذه العملية هو الجزار، لأنه يبيعها على أساس أنها لحوم محلية، ومنتوج وطني ويرفع التسعيرة إلى 100 درهم للكيلوغرام، ومن الممكن أن يصل إلى 180 درهما، في حين أن التكلفة يجب ألا تتجاوز 70 درهم للكيلوغرام.

ضرورة إعادة بناء القطيع

في هذا السياق، أفاد البوتشيشي أن الدولة يجب أن تقوم بفرض بعض الشروط على اعتبار أن هذه اللحوم معفاة من الضرائب، فنظرية تحرير الأسعار في هذه الحالة لا يجب أن تطبق، طالما أن المنتوج مدعم أو معفى من الضرائب يجب أن يكون تأثيره على المستهلك، وأن يلمس هذا التأثير ويتم تسقيف الأثمنة، وكذلك يجب إخضاع الجزارين لشروط من قبيل إظهار بلد المنشأ، فالكساب عندما لا يكون لديه إقبال على العجل سيكون مجبرا على بيعه، وبعد سنوات لن نجد الكساب الذي سيستمر في الإنتاج الحيواني، لأنه أصبح قطاعا غير مربح.

ولفت الانتباه إلى أن 80 بالمائة من اللحوم المستهلكة في المغرب هي لحوم الأبقار، وبالتالي لا يمكن أن نستمر في الاعتماد على الاستيراد من أوروبا أو العالم من أجل تحقيق الأمن الغذائي ونغفل تشجيع الإنتاج المحلي. كما يجب تشجيع الكساب على البقاء في البادية لأنه بدوره يجب أن يربح، حيث لا يمكن الاستثمار في قطاع فاشل مائة بالمائة.

 وأضاف البوتشيشي أن إعادة بناء القطيع واستدامته لا يمكن أن تكون فقط بالاستيراد، وإذا كان لا بد من الاستيراد فيجب أن نكون أذكياء، ولا نحصر الاستيراد في عجول التسمين أو المعدة للذبح، بل يجب التفكير أيضا في أن يكون لدينا إناث، هذا البقر المتوفر الآن يلزمه التوالد والتزاوج من أجل أن نضاعف القطيع، أما بمليون ونصف من الأبقار فلا يمكننا ذلك وسوف نستمر في الاستيراد.

وشدد على ضرورة التفكير في إعادة بناء القطيع التي تمر عبر التوالد والتزاوج والاستدامة، لأن المشكل الذي وقعنا فيه الآن مع سياسة التلقيح الاصطناعي وتحسين النسل أن "الكساب" إذا ولدت عنده عجلة يكون مصيرها المجازر أو الذبح وإذا كان عجلا، يكون مصيره نفس الشيء فهو لا يفكر سوى الحاضر دون النظر إلى المستقبل.

واستطرد أنه عندما نعود إلى برامج الدعم نجدها تدعم المواليد الجدد ب 6000 درهم ولكن ليس كل العجلات بل فقط سلالة الحليب وفق دفتر التحملات الذي هو جد ضيق ويستفيد منه تقريبا 10 بالمائة من منتجي الحليب أو الذين يكسبون السلالات المنتجة للحليب.

وأفاد أنه من الواجب على الدولة حاليا أن تضمن احتفاظ الكسابة بالعجلات، إذا كانت هناك نية حقيقية لإعادة بناء القطيع، مشددا على ضرورة دعم الإناث والمواليد الجديدة، سواء أكانت من سلالة اللحوم، أو من السلالة المزدوجة للحليب واللحوم أو من سلالة الحليب، وبالتالي سنستطيع الاعتماد عليهم مستقبلا.

وختم البوتشيشي تصريحه بكون التقرير أشار إلى أن ما بين 80 و90 بالمائة من منتجي اللحوم هم صغار "الكسابة"، أي لديهم أقل من 5 بقرات، وقد سبق لوزير الفلاحة أن أشار إلى أنه سيتم إعادة بناء القطيع عن طريق الفلاحة التضامنية فحبذا لو أن الدولة تفكر في استيراد العجلات وتمنحها للكسابة وتواكبهم إذا كانت لدينا نية جادة في بناء القطيع واستدامته.