أعادت تصريحات عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، بشأن مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، فتح ملف بالغ الحساسية في إسبانيا، وأثارت ردود فعل متباينة، في سياق يتسم أصلا بتوترات كامنة حول قضايا السيادة والهجرة والعلاقات الثنائية مع المغرب.
وسارعت وسائل إعلام إسبانية، محسوبة بالأساس على التيار المحافظ، إلى إبراز تصريحات بنكيران بوصف "تحديا مباشرا" لإسبانيا، رغم تأكيده الصريح أن موقفه لا يتضمن أي دعوة إلى المواجهة العسكرية، وأنه يندرج ضمن رؤية سياسية ودبلوماسية طويلة الأمد. هذا التناول الإعلامي أعاد إلى الواجهة حساسية خاصة داخل الرأي العام الإسباني، حيث تُعد سبتة ومليلية من أكثر الملفات ارتباطا بالذاكرة السياسية والأمنية.
وفي الأوساط السياسية، استُثمرت تصريحات بنكيران من طرف أحزاب معارضة للحكومة الإسبانية، خاصة داخل اليمين المحافظ، للتشكيك في مقاربة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز تجاه الرباط، وللتذكير بما تعتبره هذه الأطراف "ثمن التقارب" مع المغرب منذ إعلان مدريد دعمها لمقترح الحكم الذاتي بالصحراء سنة 2022.
ويرى معلقون سياسيون في مدريد أن حساسية التصريحات لا تنبع فقط من مضمونها، بل من هوية مُطلقها. فبنكيران، بصفته رئيس حكومة سابقا وشخصية سياسية معروفة بخطابها المباشر، يُنظر إلى كلامه في إسبانيا على أنه يتجاوز حدود الجدل الحزبي الداخلي المغربي، ليُقرأ باعتباره مؤشرا على وجود "تيار سياسي مغربي" لا يزال يضع المدينتين ضمن أفق المطالبة السيادية، حتى في ظل تحسن العلاقات الرسمية بين البلدين.
وتعكس التفاعلات الإسبانية أيضا تخوفا مزمنا من أي خطاب يمكن أن يُغذي النقاش حول مستقبل سبتة ومليلية، خاصة في سياق إقليمي يتسم بارتفاع ضغط الهجرة غير النظامية، وحساسية التعاون الأمني مع الرباط. لذلك، غالبا ما يتم التعامل مع مثل هذه التصريحات بنبرة إنذارية، حتى عندما تصدر عن فاعلين غير حكوميين.
في المقابل، يلفت محللون إلى أن تحويل تصريحات بنكيران إلى "أزمة سياسية" يخدم أجندات داخلية في إسبانيا أكثر مما يعكس موقفا رسميا مغربيا، خصوصا في ظل التزام الرباط، على المستوى الدبلوماسي، بسياسة ضبط الخطاب الرسمي وتفادي أي تصعيد مباشر حول المدينتين.