استفاقت مدينة توري باتشيكو الواقعة في إقليم مورسيا جنوب شرق إسبانيا، الأربعاء، على أجواء هادئة بعد أيام من التوتر والاحتقان، أعقبت احتجاجات نظمها متطرفون من اليمين المتطرف ضد الجالية المهاجرة، وبالأساس من أصل مغربي.
وأكد عمدة المدينة، بيدرو أنخيل روكا، في تصريحات للصحافة، أن "الليلة مرت في هدوء تام"، مشيدًا بنجاعة التدخل الأمني الذي نجح في ضبط الوضع ومنع أي انزلاقات جديدة، وذلك بفضل الانتشار المكثف لقوات الحرس المدني التي لا تزال مرابطة في محيط الأحياء الأكثر تأثرا بالتوتر. كما دعا روكا إلى الحفاظ على هذا الهدوء، مؤكدا أن “سكان توري باتشيكو يريدون طيّ صفحة الأزمة والعودة إلى حياتهم الطبيعية”، مشددًا على أن هذه الأحداث “لا تعكس طبيعة المدينة ولا أخلاق سكانها”.
ورغم الإعلان عن تنظيم مظاهرات جديدة في الليلتين المقبلتين، بدا العمدة متفائلًا بأن التوتر سيتراجع تدريجياً، بفضل تعاون السكان الذين أظهروا التزاما مدنيا ونبذا واضحا لخطاب الكراهية، قائلا: "لا نريد أن تتحول مدينتنا إلى مسرح لتصفية حسابات سياسية أو لتأجيج الفتن بين الجاليات".
السلطات المحلية سجلت 23 مخالفة ليلية، معظمها تتعلق بحيازة أدوات خطيرة وإخلال بالنظام العام، في صفوف المحتجين الذين لبوا دعوة للتظاهر نُشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي من قبل مجموعات متطرفة، وذلك احتجاجًا على حادث اعتداء جسدي تعرض له أحد السكان المحليين، وهو رجل يبلغ من العمر 68 عامًا، على يد ثلاثة شبان من أصول مغربية. وقد استُغل الحادث لإشعال موجة من الكراهية ضد المهاجرين، خصوصًا من أصول مغاربية، رغم أن التحقيقات لا تزال جارية ولم تُثبت أي خلفية عنصرية أو دينية للواقعة.
ورغم أن قوات الحرس المدني خفّفت من إجراءات المراقبة عند مداخل المدينة التي تضم حوالي 40 ألف نسمة، فإن الاستنفار الأمني لا يزال قائمًا تحسبًا لأي تطورات، خاصة بعد تداول دعوات جديدة للتجمهر. وفي الوقت نفسه، عبّر العديد من سكان المدينة عن رفضهم لتحويلها إلى ساحة لتصفيات أيديولوجية، مؤكدين أن المتسببين في التصعيد هم في الغالب أشخاص جاؤوا من خارج توري باتشيكو، وهو ما شدد عليه العمدة بقوله: "نحن نعرف بعضنا البعض هنا. ومن يأتون من الخارج لإثارة الفوضى لا مكان لهم بيننا".
وعبّر العديد من أبناء الجالية المغربية عن شعورهم بالإقصاء والضغط، مشيرين إلى أن “المشكل الحقيقي لا يكمن في العيش المشترك، بل في تحوّل فئة من الشباب المهمّش إلى هدف سهل للاستقطاب، سواء من طرف شبكات الجريمة أو من قبل التيارات المتطرفة”. وناشد ممثلو الجالية المغربية والعربية عموما السلطات الإسبانية تعزيز جهود الإدماج الثقافي والاجتماعي، خاصة في ما يتعلق بالأجيال الثانية والثالثة، التي وُلدت في إسبانيا لكنها تواجه صعوبات كبيرة في الاندماج الكامل بسبب التمييز وسوء الفهم المتبادل.
وفي هذا السياق، نظم ممثلو عدة جمعيات إسلامية محلية لقاءات توعوية مع الشباب داخل الأحياء المهمشة لتوجيه رسائل تهدئة وتحذير من الوقوع في فخ العنف، مشددين على أن “من يلجأ إلى الفوضى هو الخاسر، سواء كان مهاجرا أو متطرفا من اليمين”.
من أين بدأ التوتر؟
تعود بداية الأزمة إلى الأسبوع الأول من يوليوز، حينما تعرض مواطن إسباني مسنّ لاعتداء جسدي من طرف ثلاثة شبان مغاربة، في حادث فردي لم يكن يحمل طابعًا عنصريًا أو سياسيًا. غير أن مجموعات من اليمين المتطرف سارعت إلى استغلال الواقعة، مطلقة حملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتحريض السكان ضد الجالية المهاجرة، حيث تم الترويج لفكرة "الاستيلاء الأجنبي على المدينة"، وهو خطاب بات متداولًا في عدة مدن صغيرة تعاني من تهميش اقتصادي.
وخلال الأيام التالية، تصاعدت الدعوات لتنظيم "مسيرات تأديبية"، سرعان ما تحولت إلى ما يشبه "صيدًا للبشر"، استهدفت شبابًا من أصول مغربية، تم تصويرهم وملاحقتهم في الشوارع، وجرى تداول أسماء بعضهم على منصات رقمية، رغم أنهم لم يكونوا طرفا في أي مشكل.
وقد شهدت المدينة على إثر ذلك صدامات بين مجموعات من المتظاهرين والسكان المحليين، ما أدى إلى توقيف نحو 13 شخصًا، ثلاثة منهم قاصرون، إلى جانب تسجيل حالات ترويع وخسائر في الممتلكات، شملت محلات تجارية وسيارات تعود لمهاجرين.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تعرف فيها مدن صغيرة مثل توري باتشيكو توترات من هذا النوع، لكنها تعد من الحالات النادرة التي بلغ فيها التوتر هذا المستوى العالي، بفعل تدخل جهات خارجية حوّلت الحادث المعزول إلى مادة سياسية لتأجيج خطاب الكراهية، مدفوعة بأجندات انتخابية أو أيديولوجية.
ومن جهة أخرى، يرى عدد من المحللين المحليين أن سبب هشاشة الوضع يعود أيضا إلى غياب برامج إدماج قوية، تعالج الفوارق الاجتماعية وتوفر بدائل اقتصادية وتعليمية للشباب من أصول مهاجرة، في ظل نسب بطالة مرتفعة وشعور بالتهميش في بعض الأحياء، مما يخلق بيئة خصبة للغضب والانفجار.
وبينما تهدأ العاصفة مؤقتًا في توري باتشيكو، فإن الرسائل القادمة من الميدان تشير إلى ضرورة مراجعة السياسات العمومية تجاه الهجرة والاندماج، كي لا تتحول مدن أخرى إلى بؤر توتر مماثلة، خصوصًا في ظل تصاعد الخطابات الشعبوية في بعض الأوساط السياسية الإسبانية.