"ثورة جيل Z" وتراكمات "Nope Kids"

أحمد مدياني
أحمد مدياني

أعدت مشاهدة "الحوار الصحفي" الذي استضاف فيه رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، التلفزيون الرسمي المغربي، قصد اقتراف محاولات تقديم إجابات عن عدد من القضايا ما استطاع إلى ذلك سبيلا، والنتيجة أنه لم يستطع.

الذين صمدوا من المغاربة أمام "الحوار" من أول دقيقة وإلى آخر ثانية، أكيد أنهم بحثوا عن الفهم.

فهم... لماذا لم يعد ملايين المغاربة قادرين على تحمل تكاليف العيش الأساسية؟

فهم... أين اختفت وعود أخنوش بتوفير ملايين فرص الشغل؟

فهم... كيف تحول البحث عن العلاج والتمدرس قطعة من العذاب؟

فهم... استفحال انتفاء تكافؤ الفرص في الولوج إلى ما يضمن الشغل اللائق والحياة الكريمة!

فهم... تبخر بشائر مخطط صرفت عليه الملايير ليكون المغرب أخضرَ بما يضمن قفة المغاربة متاحة للدراويش عامة!

فهم... من المسؤول عن قفز أسعار اللحوم إلى ما يفوق 100 درهم للكيلوغرام... و"بلاطو البيض" إلى ما يناهز 50 درهما...

فهم... كيف يستمر هذا الغلاء مع أن "الفراقشية" الكبار استفادوا ويستفيدون من مليارات الدعم على استيراد المواشي واللحوم...

فهم... إلى أين يتجه بنا قطار التعليم العمومي...؟ ماذا قدمت هذه الحكومة لكي لا ينزل منه سنويا مئات الآلاف من تلامذته في كل المستويات...؟

فهم... خلفيات سطوة تعليم خصوصي على الأمل في الحاضر والتطلع للمستقبل... مع تحول لوبياته للعب دور "الزطاطة"... يجب أن تؤدي لهم الأسر الإتاوات مضاعفة... ليؤمّنوا عبور قافلة أطفالهم من ضفاف اللامعرفة نحو بر أمان المعرفة...

فهم... كيف يعقل أن نسجل هذا الموسم إنتاجا قياسيا في زيت الزيتون... لكن أسعاره لن تتراجع... لن تتدخل الحكومة لكبح جشع المتنفعين من دورات عجلة معاصرها... بل إن رئيسها أخبرنا أنها سوف تتفرج مثلنا... وكأنه يستعد للتلذذ بوضع المواطن البسيط وأطنان الزيتون معا على رحى الطحن...

فهم... أين الحقيقة بالضبط تجاه إعادة إعمار أراضي الحوز وإسكان ضحايا الزلزال بعد مرور عامين على الكارثة...

فهم... هل الحقيقة هي الأرقام الرسمية التي صرح بها أخنوش...؟ أم الفيديوهات التي تنشر والمسيرات المستمرة لمن يعلنون أنهم متضررون لا يزالون لحدود اللحظة ينتظرون إنصافهم ...؟

فهم... تضرر ادخارات الأسر التي كانت تستطيع ذلك... تشاؤمها من تحسن مستوى معيشتها... حاجتها اليوم للاقتراض من أجل تلبية أساسيات العيش لا غير... تطبيعها مع ترك أبنائها يخوضون مغامرات الموت وسط الموج طمعا في هجرة تنقذها...

فهم... فارق الأسعار المهول بين أدوية أساسية تباع للمرضى المغاربة بأضعاف سعرها خمس مرات وأكثر مقارنة بتلك التي توصف في أوروبا وآسيا وأمريكا... دون إغفال مستوى الدخل هنا وهناك...

محاولات الفهم لا يمكن حصرها وإن كان للمداد الافتراضي نقطة نهاية.

بالعودة إلى "الحوار" وما رافقه من تفاعل، ركزت أكثر على تعليقات رواد مواقع التواصل الاجتماعي، زرت عددا من البروفيلات، بغرض التأكد من أنها ليست ضمن دائرة الذين يتم كراؤهم افتراضيا لأداء مهمة طلاء الحيطان بالتعليقات.

وجدت أن السواد الأعظم ممن كتبوا تحت بث "حوار" رئيس الحكومة غير المباشر، عبارة "ارحل"، شابات وشباب من الواقع، وكلهم، حسب صورهم أو تواريخ ميلادهم المعلنة، ممن يوصفون اليوم بـ"جيل Z".

أبناء هذا الجيل، وهم من مواليد ما بين سنتي 1995 و2012 وصلوا مرحلة مخيفة من التأطير، طبعا خارج دائرة الأحزاب والجمعيات والنقابات... ضبطهم عبر الأدوات الكلاسيكية للدولة لم يعد متاحا... وردود فعلهم وتأثيرهم يصعب دراستها أو توقعها وفق الأنساق المعتمدة... ما يفرقهم في الواقع أكثر مما يجمعهم في المواقع... ومع ذلك... فإشعال شرارة تجعلهم كتلة واحدة تتحرك متاحة...

شباب هذا الجيل، لا ينتظرون طرح أسئلة الفهم التي جاء بها المقال، فهم يختلفون عن الجيل الذي سبقهم... صبرهم أقل بكثير... والزمن عندهم يقاس بمعايير أخرى تجعل خطه متسارعا... ما يفرض عليهم استغلال كل ثانية بأقل التنازلات الممكنة... حين يستشعرون الخطر الحقيقي لسرقة شروط الحياة كما يشاؤون هم ينتفضون بدون مقدمات...

حين قال رئيس الحكومة عزيز أخنوش: "اسألوا أصحاب ورشات البناء وملاك الأراضي عن عدم قدرتهم على إيجاد اليد العالمة"... رماها هكذا بطريقة توحي إلى المتلقي أن فرص الشغل فائضة بالمغرب... والحقيقة أن الشباب ما بين 18 و35 سنة أصبحوا يرفضون إنفاق أعمارهم مقابل دراهم معدودات... العمل 12 ساعة متواصلة مقابل الفتات... تشييد، حرث وزرع ما يجلب الملايير لمن هم من قبيلة رئيس الحكومة دون ضمانات التأمين والعلاج والتقاعد...

في النيبال، خرجت احتجاجات وصفت بالأعنف، حتى من تلك التي شهدتها البلاد قبل 20 عاما.

احتجاجات حملت شعار "ثورة جيل z" ضد "Nope Kids"... من هؤلاء؟

هم أبناء وبنات المسؤولين والأثرياء الذين استمروا، على مدى سنوات، في نشر يوميات حياتهم الباذخة، في بلد يعاني من الفقر وارتفاع نسبة البطالة وتدهور قطاع التعليم ورداءة الخدمات الصحية...

يعيشون زهرة عمرهم في انفاق غنائم الفساد ونهب المال العام والارتشاء واقتصاد الريع.

توهم آباؤهم وأمهاتهم، الذين كنزوا المليارات من سرقة ثروات النيبال، أن التراكم الكمي الناتج عن مشاهدة إشهار حياة البذخ لن يأتي بتطور نوعي ضدها.

كان مصدر الوهم، اعتقادهم بأنهم يتحكمون في المؤسسات الدستورية والأمنية، وكل الإطارات السياسية والمدنية رهن إشارتهم.

ماذا وقع؟

قرر شباب النيبال من أبناء "جيل Z" إطلاق حملة عبر منصات التواصل الاجتماعي ضد "Nope Kids" تفضح مصادر ثروات أسرهم. فما كان من الحكومة إلا أن قررت حظر الولوج إليها، لينتقل الغضب من شكله الافتراضي إلى الواقعي.

ما هي الحصيلة؟

عشرات القتلى وإحراق مؤسسات الدولة، من بينها البرلمان، واقتحام قصور الأثرياء، ونزول الجيش إلى الشوارع وإسقاط رئيس الوزراء كيه بي شارما أولي.

في شهر شتنبر من العام الماضي، وصل الآلاف من الشباب المغاربة إلى الجبال المجاورة لمدينة سبتة المحتلة... من نفس أعمار الذين وصلوا مؤسسات وقصور النيبال...

تحركهم انتقل، بدوره، من شكله الافتراضي إلى الواقعي... لم ينتظروا فهم من يقف خلف تجييشهم أو فهم أن من يقود حكومة بلادهم يعدهم بالفرح كما يعيشه إخوانهم في الحوز...

تحركوا نحو الشمال من كل فج عميق... وواهم من يعتقد أن شروط تحركهم السابق انتفت...

هؤلاء بدورهم يتفرجون، يوميا، على حياة "Nope Kids" بصيغتهم المغربية... تجري في أدمغتهم كل المحفزات المشتركة لـ"جيل Z" التي لم يعد من الممكن التحكم في نتائج تسريع تدفقها بحقن مسكنات الوعود.

مواضيع ذات صلة