حوار.. التامني: لوبي المحروقات أصبح أقوى من الإدارة.. والدعم تستفيد منه "الباطرونا"

تيل كيل عربي

حاورها: إلياس غاني

عقب الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات بنسبة فاقت 20 بالمائة دفعة واحدة، تجدد الجدل داخل البرلمان حول تحديد المسؤوليات ونجاعة الإجراءات. إذ وجهت البرلمانية فاطمة التامني سؤالا كتابيا  إلى رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، تدق فيه ناقوس الخطر بشأن الارتفاعات المتتالية والمفاجئة في أسعار المحروقات بالمغرب، مسجلة ما قالت إنه شبهة تواطؤ.

في هذا السياق، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع النائبة برلمانية  فاطمة التامني، عن فدرالية اليسار الديمقراطي،  للوقوف على قراءتها لهذه التطورات، ومحاولة استجلاء مكامن الخلل، وموقفها من فعالية التدابير الحكومية، وكذا مسؤولية المعارضة في لعب دورها الرقابي، من جهة، ورؤيتها للحلول الممكنة من أجل احتواء الأزمة من جهة أخرى.

 وجهت، مؤخرا، سؤالا كتابيا إلى رئيس الحكومة حول ارتفاع أسعار المحروقات، وأشرت إلى تسجيل زيادات متزامنة وبنفس القيمة من طرف شركات التوزيع. من تتهمين بالتواطؤ لضرب مبدأ المنافسة؟

 يتذكر جميع المغاربة أن تحرير أسعار المحروقات سنة 2015، أعقبه تخلي الحكومة عن دور تحديد الأسعار بشكل مباشر، وفي المقابل أصبحت لديها أدوار أخرى بهدف حماية القدرة الشرائية، تتعلق بوضع الإطار القانوني والتنظيمي للسوق، ومراقبة تموينه، وأيضا، وهذه نقطة مهمة، التدخل في الحالات الاستثنائية عند وقوع أزمات. ومن المفترض أن تلتزم الحكومة بهذه الأدوار، بمعنى، لا أن تحرر الأسعار وتترك السوق في فوضى.

وبالنسبة إلى سؤالك: من أتهم؟ أرى أنه من المثير للاستغراب أنه يعلن، في نفس الوقت، عن رفع أسعار المحروقات بنفس النسبة (درهمان) وفي محطات توزيع لشركات متعددة، في حين نجهل أي شيء عن المخزون الاحتياطي الذي من المفترض أن يكفي لـ 60 يوما، وفي المقابل عندما تنخفض الأسعار في الأسواق العالمية لا ينعكس ذلك على الأسعار الوطنية، كما رصدت تقارير لمؤسسات وطنية شركات تحقق أرباحا كبيرة جدا، وتوصلت لجنة استطلاعية برلمانية أجرت تحريات حول سوق المحروقات إلى وجود اختلالات. في المحصلة كل هذه شبهات حول وجود تواطؤ.

فأنا أتهم الشركات التي تحتكر سوق المحروقات، وتضع تفاهمات على حساب المواطنين، إن المغرب أصبح فريسة للوبيات، لا تحترم أخلاق وقواعد السوق. لهذا يبدو لي أن هناك ما يستدعي فتح تحقيق مع هؤلاء.

على ذكر فتح تحقيق، قال أحمد رحو، رئيس مجلس المنافسة، إن الشبهات التي ذكرتها لا تعتبر تواطؤا، ومن الممكن أن تكون جاءت في سياق طبيعي.

فليفسر لنا، إذن، هذا السياق العادي. مجلس المنافسة هو هيئة مكلفة بضمان المنافسة الحرة ومنع الاحتكار، وهذا يشمل مراقبة سلوك شركات توزيع المحروقات، فلكي يجزم بأن القانون احترم أم لا عليه فتح تحقيق في شبهة وجود تفاهمات غير قانونية بين الفاعلين من عدمه، لا أن يخرج بتصريح يقول فيه إنه لا وجود لتواطؤ، السؤال: على ماذا بنى هذا التصريح؟

كما أنه سبق لمجلس المنافسة أن تحدث، في سنة 2023، عن وجود أرباح مرتفعة وغير مبررة لدى بعض الشركات، وأصدر توصيات لإعادة التوازن للسوق لكن لم يقع تفعيلها. الآن على المجلس أن يوضح للمغاربة حقيقة الوضع بالأرقام.

أنتم تطالبون بتسقيف الأسعار، هل تعولون حقا على حكومة رئيسها هو صاحب أكبر شركة محروقات في المغرب لحماية القدرة الشرائية للمواطن على حساب أرباح شركته ؟

نحن لا نعول على تدخل الحكومة بل نطالبها بذلك. نعتبر أن هذه مسؤوليتها. هذه مسألة لها علاقة، بما تحدثت عنه بكون رئيسها يمتلك شركة، وهذا خلل قانوني آخر، يمكن أن نعتبره ضربا من ضروب الفساد. الحكومة مع الأسف تغض الطرف عن هذا كله، وأغلبيتها في البرلمان تقوم بنفس الشيء.

هناك، إذن، تضارب في المصالح، ولهذا نحن لا نعول على هذه الحكومة لأن الثقة منعدمة فيها لعدة اعتبارات؛ أقلها تكريس تضارب المصالح، ورعاية الفساد بمقتضيات قانونية صدرت في مجموعة من القوانين التي تكبل المجتمع المدني وتمنع الناس من فضح الفساد، ومنها سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع.

إ اتخذت الحكومة إلى الآن حزمة إجراءات لمواجهة الأزمة، مثل تقديم الدعم المباشر لمهنيي النقل، هل تعتقدين أنها كافية لحماية القدرة الشرائية ومنع ارتفاع أسعار باقي المواد الأساسية؟

أنا أحيل على تجربة الدعم السابق، في بداية العهدة الحكومية عند الارتفاع الصاروخي لأسعار المحروقات بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، الحكومة ادعت حينها اتخاذ بعض التدابير كدعم النقل.

لماذا قدمت هذا المثال؟ لأن التجربة أظهرت أن المستفيدين من الدعم هم أرباب النقل، أي "الباطرونا" أصحاب المأذونيات، وليس السائق البسيط المتضرر الفعلي، ولم ينعكس هذا الدعم على جيوب المواطنين، إذ ارتفعت أسعار المواد الأساسية الأخرى، وذهبت أموال الدعم هباء إلى جيوب المحظوظين المقربين، من يدخلون في دائرة رئيس الحكومة.

ها هي الحكومة تذهب، اليوم، في نفس المسار، وتعيد نفس السياسة التي أثبتت فشلها، رغم كل الانتقادات وكل التوصيات بتوجيه الدعم إلى من يستحقه حقا.

-ذكرتم إعادة تشغيل مصفاة "لاسامير" كحل، نحن نعلم أن الشركة في وضعية مالية وقانونية معقدة. ما مدى واقعية هذا الحل؟

أظن أن المحكمة قالت كلمتها في هذا الشأن، والخبراء شرحوا الكثير من الأمور في ما يتعلق بهذا الملف، وأنه يمكن احتواء تلك التكلفة المالية، لو اتخذت الدولة قرار إعادة تشغيلها، لكن ما يمنع إلى الآن هو غياب الإرادة السياسية عند هذه الحكومة.

فمصفاة "لاسامير" تعتبر معلمة وطنية، كان لديها دور فعال في خفض أسعار المحروقات، عبر خفض تكلفتها أساسا، كما تساهم في تنمية المنطقة، وتشغل الآلاف، وفي ظل هذه الأزمات الدولية، لو اتخذ قرار إعادة تشغيلها، والذي ما زال الناس حتى الآن يناضلون ويطالبون به، لكان من الممكن أن تحد من غلاء الأسعار.

لكن لوبي المحروقات يضغط لعدم تشغيلها، لأن شركاته تستفيد من الأرباح الفاحشة التي تحققها، فهي تجلب البترول، وتبيعه في الوقت الذي تريد وبالسعر الذي تحدده، بدون ضوابط، وبدون مراعاة قواعد المنافسة، نقول إن السوق المغربية تعاني الاحتكار، وهي (المصفاة) من شأنها أن تحد من هذا الاحتكار. لهذا أقول إن القرار مرتبط بإرادة سياسية نتمنى أن تتداركها الدولة، وتُشغِّل هذه المصفاة.

الحكومة تمتلك الصلاحيات الكافية لإعادة تشغيل المصفاة، فما الذي يمنعها من تفعيل صلاحياتها؟ إن كانت حكومة مستقلة ووفق ما ينص عليه الدستور، وإلا ما حاجتنا إلى حكومة بدون صلاحيات. وما حاجتنا إلى انتخابات أصلا إذا كانت ستفرز لنا حكومات بدون صلاحيات، بدون شجاعة، بدون جرأة، بدون إرادة سياسية، ما حاجتنا إليها؟

هناك من ينتقد أداء المعارضة، معتبرا أنها لم تمارس دورها الرقابي بالشكل الكافي في هذا الملف. كيف تردون على هذه الانتقادات؟

أولا، المعارضة التي نتحدث عنها هي المعارضة داخل البرلمان. فهناك معارضة داخل البرلمان، وهناك أخرى من خارجه. أما بالنسبة إلي، كمعارضة داخل البرلمان فدورنا هو مراقبة عمل الحكومة من خلال الأسئلة الشفوية والكتابية، وتشكيل لجان استطلاع وتقصي الحقائق، واقتراح القوانين.

وفي هذا الملف بالذات، نحن طرحنا العديد من الأسئلة على رئيس الحكومة، ووزيرة الانتقال الطاقي، وحتى ما يتعلق بوزارة المالية. ولكن يبدو أن المؤسسة البرلمانية ككل أصبحت، اليوم في عهد هذه الحكومة، مجرد جهاز للتصويت، وأفرغت من مضمونها الحقيقي، الذي يجب أن يكون قريبا من القضايا الحقيقية للمغاربة.

إذا ما أردنا كمعارضة تشكيل لجنة تقصي حقائق اليوم، فأنتم تعرفون أن البرلمان تسيطر عليه أغلبية عددية مع الأسف. دورها فقط هو التصفيق للحكومة، كيفما كانت قرارات هذه الأخيرة. أي أن هذه الأغلبية العددية تَحُدُّ من فعالية المعارضة البرلمانية، لأن المسألة في النهاية تحسَم عدديا، هذا هو ما يجعل دور المعارضة يبدو وكأنه لا يُوَفَّق في العديد من المواقف.

شخصيا، قدمت في بداية هذه الولاية التشريعية مقترح قانون لتسقيف أسعار المواد الأساسية، بما فيها المحروقات، أو تحديد هوامش الربح، والنتيجة كانت تجاهلا تاما لمقترحي من طرف الحكومة.

كل أدواتنا تم تكبيلها وتبخيسها، لأن الحكومة لا تؤمن بدورنا، لأنها حكومة لوبيات ورجال أعمال، حكومة أغلبية تضم أشخاصا لا مسار لهم ولا نضالات تشهد عليهم، ولم يتشربوا قضايا هذا الوطن. وفي النهاية، الحكومة هي من تتحمل المسؤولية، وهي التي يجب أن توضح للمغاربة لماذا نعيش هذا الوضع.

بصفتكم تمثلون فيدرالية اليسار الديمقراطي، ما أبرز الإجراءات المستعجلة التي تقترحونها لضمان قدر من "السيادة الطاقية" وحماية القدرة الشرائية؟

من المهم ان تتدخل الحكومة وفق ما يتيح لها القانون لضبط فوضى السوق، ويجب مراجعة قانون تحرير الأسعار، ما دامت لا توجد تدابير اتخذت لحماية السوق. ومن المهم جدا أن يقوم مجلس المنافسة بدوره ويفتح تحقيقا بخصوص وجود تفاهمات بين الفاعلين، إضافة إلى -كما قلنا سابقا- تشغيل مصفاة "لاسامير"، وتوجيه الدعم إلى المتضررين الفعليين، وكفى من الإجهاز على المقاصة، والتصدي للوبيات التي أصبحت أقوى من الإدارة.

نحن كيسار نمارس أدوارنا داخل هذه المؤسسات، نمارس الضغط، ونمارس النقد، ونعبر عن مواقفنا في بياناتنا، ونواكب المشاكل والقضايا الاجتماعية القائمة، ونؤطر المواطنات والمواطنين في هذا الاتجاه، وننصت إليهم، الوضع الحالي يهدد السلم الاجتماعي، والاحتقان بلغ مستويات عالية، وما مظاهرات "جيل زيد" إلا مؤشر على ذلك. وفي ظل هذه الموجة الأخرى من الغلاء على المسؤولين أن يحسنوا الإنصات للشارع والتفاعل معه.