في إطار الاستعداد للانتخابات المقبلة، يكشف عبد السلام العزيز، الأمين العام لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، ملامح التحضير التنظيمي والسياسي داخل الحزب، كما يوضح طبيعة النقاش الجاري بشأن التحالفات، سواء مع الحزب الاشتراكي الموحد أو مع حزب التقدم والاشتراكية في إطار ما سمي بـ"وحدة اليسار".
في هذا الحوار مع "تيلكيل عربي" يوضح العزيز موقفه من المشاركة في الحكومة، مبرزا أن أي تحالف انتخابي ينبغي أن يقوم على أرضية سياسية واضحة والتزام لما بعد الانتخابات.
ـ كيف يستعد حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي للاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟ وما أبرز المحاور التنظيمية والسياسية التي اشتغلتم عليها خلال هذه المرحلة؟
على المستوى المركزي قمنا بإعداد برنامج عمل الحزب، الذي يتضمن مجموعة من الندوات الموضوعاتية، التي أفرزت عددا من المخرجات حول عدد من القضايا الأساسية، كما أننا سنعقد المجلس الوطني للحزب في شهر مارس الجاري.
وبخصوص أبرز القضايا التي تناولتها الندوات، فقد اشتغلنا على قضايا التشغيل، والهجرة، وعقدنا ندوة حول الوضع الاقتصادي العام، كما برمجنا ندوة خاصة حول الصناعة، وهناك أيضا مجموعة من الندوات التي لم تستكمل بعد، وتتعلق بالقضايا السياسية بصفة عامة والقضايا المؤسساتية، ونعمل حاليا على تجميع خلاصات هذه الندوات واستكمال ما تبقى منها، تمهيدا لعرضها على المجلس الوطني قصد إعداد البرنامج الحزبي على أساسها.
ـ متى سينعقد المجلس الوطني، وما أبرز القضايا التي ستطرح للنقاش خلاله؟
سنعقد المجلس الوطني يوم 29 مارس الجاري، وسنناقش خلاله قضية التحالفات، خاصة ما يتعلق بإمكانية الدخول في إطار اتحاد للأحزاب، وهو النقاش القائم حاليا مع الحزب الاشتراكي الموحد، بعد أن عقدنا معهم مجموعة من اللقاءات.
كما أن مجالس الفروع تجتمع حاليا في مختلف المدن لتقييم وضع الحزب والنظر في المرشحين، وقد تم نقاش إمكانية إدراج فاعلين من المجتمع المدني وفاعلين اجتماعيين ضمن لوائحنا، لأننا لا نريد أن يقتصر الترشيح على المناضلين فقط، بل أن يشمل أيضا من يحملون قضايا المجتمع المختلفة، سواء تعلق الأمر بقضايا المرأة أو بقضايا اجتماعية أخرى أو بمحاربة الفساد.
أما المجلس الوطني الثاني، فسيعقد خلال شهر يونيو، في أجواء يفترض أن توضع فيها اللمسات النهائية، وتتم المصادقة على كل ما يتعلق بالاستعدادات للاستحقاقات المقبلة.
ـ في إطار الاستعداد للانتخابات، ما أهم أشكال التنسيق القائم؟ وأين وصل التنسيق مع الحزب الاشتراكي الموحد؟
يتم النقاش إلى حد الآن بشكل غير رسمي، في إطار لقاءات ثنائية، لنرى إمكانية المضي في إطار اتحاد للأحزاب، بحيث نتقدم في كل الدوائر الانتخابية، سواء الجهوية أو المحلية، بمرشح واحد باسم اتحاد الأحزاب الذي سيتم الاتفاق عليه.
لم نصل بعد إلى الحسم النهائي، ربما في نهاية رمضان أو بعده مباشرة سيكون لدينا لقاء رسمي للنظر في كل هذه الإمكانيات المطروحة.
ـ هل يقتصر الأمر على الحزب الاشتراكي الموحد؟
نعم، النقاش داخل المكتب السياسي يهم أساسا التحالف مع حزب الاشتراكي الموحد.
ـ كانت هناك دعوة من حزب التقدم والاشتراكية للانخراط فيما سمي "وحدة اليسار"، كيف تفاعلتم مع هذه المبادرة؟ وما الذي دار في اللقاء الذي جمعكم؟
كان هناك لقاء، لكن لم يكن هناك وضوح كاف، ولا رؤية دقيقة لما بعد الانتخابات، بل كان الحديث عن تنسيق في بعض الدوائر الانتخابية فقط.
نحن اعترضنا على هذا الطرح، لأن التنسيق في بعض الدوائر لا يسمح بإقامة تحالف سياسي حقيقي قائم على أسس سياسية واضحة، نحن نرى أنه ينبغي، بعد الانتخابات، أن يكون هناك التزام بأن نسير جميعا في الاتجاه نفسه وفق محددات متفق عليها.
ـ متى انعقد أول لقاء بينكم في هذا الإطار، وما طبيعته التنظيمية؟
كان لقاء واحدا فقط قبل ما يزيد عن شهر، ولم يكن لقاء رسميا على مستوى المكاتب السياسية، بل لقاء ثنائيا من أجل جس النبض.
ـ صرح الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية محمد نبيل بنعبد الله بأنه لم يتلق ردا رسميا منكم، كيف تفسرون ذلك؟
أعتقد أنه قد يكون هناك سوء تفاهم في هذه النقطة، لم يكن هناك أي اتفاق على أن نقوم برد رسمي، لأن الأمور كانت واضحة خلال اللقاء.
لقد سألت الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية: ماذا بعد الانتخابات؟ ما تصوركم؟ هل هناك التزام سياسي؟ هل هناك أرضية واضحة لما بعد الاستحقاقات؟ فكان جوابه أن الأمر يتعلق بالتنسيق في بعض الدوائر الانتخابية وإصدار تصريح سياسي عام، كان جوابه واضحا، وكان تفاعلنا بدورنا واضحا كذلك.
لو كان هناك تحالف سياسي مبني على أرضية سياسية صريحة، وعلى تصور واضح لما بعد الانتخابات، لكان الموقف مختلفا، أما أن يقتصر التحالف على بعض الدوائر الانتخابية فقط، دون التزام سياسي لما بعد ذلك، فهذا بالنسبة إلينا غير كاف.
ـ هل يمكن القول إنكم ترفضون تحالفا انتخابيا يقتصر على تنسيق في بعض الدوائر دون التزام سياسي لما بعد الانتخابات؟
لم يكن هناك التزام سياسي متبادل بأننا سنواصل التنسيق بعد الانتخابات، لأن الانتخابات لحظة، ولا يمكن أن نخوضها برسالة وحدة اليسار أمام المواطنين، ثم ينتهي الأمر بمشاركة حزب في الحكومة وتموقع آخر في المعارضة دون تصور مشترك.
ـ هل يعني ذلك أنكم ترغبون في تشكيل فريق برلماني موحد بعد الانتخابات؟
لا نتحدث بالضرورة عن فريق موحد، لكن على الأقل عن التزام بالسير في الاتجاه نفسه، بالنسبة إلينا، إذا لم تكن هناك شروط واضحة لتطبيق البرنامج الحزبي، فلا يمكن أن نعيد نفس التجارب السابقة، حيث تقدم الأحزاب برامج تتعاقد بها مع المواطنين، ثم نجدها في الحكومة تطبق برنامجا آخر لا علاقة له بما التزمت به.
ـ لكن في الحكومات الائتلافية من الطبيعي ألا يطبق برنامج حزب واحد بالكامل، ما رأيكم؟
صحيح، لا يمكن تطبيق برنامج حزب واحد بالكامل، لكن عندما تكون هناك حكومة منسجمة ذات توجه عام واضح، يمكن أن يظهر أثر كل حزب في السياسات العمومية، وتبرز بصمته في القرارات والاختيارات الكبرى.
اليوم، نرى حكومات تضم أطرافا مختلفة جدا في المرجعيات، ومع ذلك فإن السياسات العمومية في العمق لا تتغير، المواطن يصوت، لكنه لا يرى ترجمة حقيقية لاختياره في السياسات العمومية، فخلال العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة، ظل نفس التوجه العام مستمرا.
لا يمكن أن ندخل في حكومات هجينة تجمع بين الشيوعي والاشتراكي والليبرالي والإسلامي، دون أن يجمعهم مشروع مجتمعي واحد أو برنامج منسجم، ثم نجد أنفسنا في النهاية نطبق نفس السياسات، هذا يقتل السياسة ويضرب الثقة في العمل السياسي.
لا يمكن أن نخوض الانتخابات برسالة سياسية واضحة، ونتعاقد مع المواطنين على برنامج محدد، ثم ندخل بعد ذلك في تحالف حكومي يطبق برنامجا آخر لا علاقة له بما تعاقدنا عليه.
لقد تعاقبت حكومات متعددة، وتغيرت الأغلبيات، وتغير رؤساء الحكومات، لكن التوجه العام ظل هو نفسه، توجها ليبراليا أو نيوليبراليا، سواء أكان الحزب اشتراكيا أو إسلاميا أو غير ذلك.
وهذا ما طرحناه مع الرفاق داخل التقدم والاشتراكية، فلا يمكن أن نخرج برسالة قوية حول وحدة اليسار والتعاقد مع المواطن، ثم بعد الانتخابات يشارك البعض في الحكومة بينما يكون البعض الآخر في المعارضة، هذه ليست سياسة لها قواعد واضحة.
نحن نتحدث عن برامج حزبية، وعن توجه عام منسجم يمكن أن يسمح بتحقيق جزء من هذا البرنامج في إطار حكومي واضح، أما أن نخوض الانتخابات بشعار معين، ثم بعد الانتخابات "كل واحد يعوم بحرو"، فهذا لا يستقيم سياسيا ولا يحترم منطق التعاقد مع المواطنين.
هل يعني هذا أنكم ترفضون المشاركة في الحكومة؟ أم أن لديكم شروطا محددة لذلك؟
لسنا ضد المشاركة في الحكومة من حيث المبدأ، لكن بشرطين أساسيين: أولا التجانس داخل الأغلبية، وثانيا إمكانية تطبيق البرنامج أو جزء منه ضمن تصور عام منسجم.
إن وجودنا في الحكومة يجب أن يكون له معنى، وينبغي أن يعرف المواطن أن هذا الحزب يطبق توجهاته وقناعاته، وأن حضوره يترجم إلى قرارات وسياسات ملموسة، أما أن نشارك فقط لأننا دعينا، دون وضوح في التوجه أو دون قدرة فعلية على التأثير، فذلك يفرغ السياسة من مضمونها، وليس هذا هو توجهنا.
على سبيل المثال في إسبانيا، فالحزب الشعبي عندما يكون في الحكومة يطبق سياسة يمينية محافظة، ويظهر ذلك بوضوح في القرارات السياسية والاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، وفي المقابل، عندما يكون الحزب الاشتراكي في الحكومة، تظهر بصمته في السياسات المرتبطة بالقدرة الشرائية، والصحة، والتعليم، والحقوق الاجتماعية، أي أن المواطن يلمس اختلافا حقيقيا في التوجه بحسب من يدبر الحكومة.
أما عندنا، فتجربة حكومة عبد الرحمن اليوسفي، مثلا، كان يفترض أن تعكس توجها اشتراكيا واضحا، لكن في عهده طبقت الخوصصة، وجاءت بعد ذلك حكومة تنادي بالأخلاق، ومع ذلك اتخذت قرارات لم تكن منسجمة مع التوجهات التي رفعت كشعارات، واستمرت التوجهات نفسها. في النهاية، لم يحصل التحول الذي كان منتظرا، ولم تترجم الشعارات إلى سياسات طبقت على أرض الواقع.
اليوم، أيضا، لا يمكن لأي حزب، سواء أكان الأول أو الثاني أو الثالث، أن يطبق توجهاته، حاليا هناك توجه تغول الرأسمال الكبير.
والسؤال المطروح: هل يقدر حزب يساري فعلا على تطبيق سياسة مغايرة داخل هذا السياق إذا لم يكن هناك انسجام وشروط واضحة؟
لا يوجد لدينا رفض مبدئي للمشاركة، وإلا لماذا نشتغل في السياسة؟ لكن وجودنا في الحكومة يتطلب ترجمة القناعات الفكرية إلى قرارات عملية، هناك من ينتظر المشاركة في الحكومة ومستعد لأي شيء من أجل ذلك، وهذا يضرب السياسة في العمق، هذا ليس همنا، وليس توجهنا.
ماذا عن تغطية الدوائر الانتخابية؟ وهل تتوفرون على رؤية واضحة في هذا الجانب؟
في التجربة السابقة، عندما كنا في إطار تحالف ثلاثي ضمن فيدرالية اليسار الديمقراطي، كنا نغطي عددا مهما من الدوائر الانتخابية. وفي آخر تجربة مع الحزب الاشتراكي الموحد، كنا نغطي ما بين 80 و90 دائرة بصفة عامة.
لكن الإشكال بالنسبة إلينا لا يتعلق بعدد الدوائر في حد ذاته، من حيث المبدأ، التغطية ممكنة لأن لدينا مناضلين في مختلف المناطق، غير أن مناضلينا ليسوا أصحاب "الشكارة"، بل إنهم أطر ومناضلون يتحملون مسؤولياتهم السياسية، ولا تتوفر لديهم دائما الإمكانيات المادية لتحمل جميع تكاليف الحملة الانتخابية.
هناك تضامن بين المناضلين، لكن مسألة الوسائل الأساسية، خاصة الجوانب اللوجستيكية، تظل موضوع نقاش داخلي، بما في ذلك تحديد الأولويات والمناطق التي ينبغي التركيز عليها، وهذا النقاش لا يزال مفتوحا ولم نحسمه بعد.