حوار.. مسؤول يكشف لـ"تيلكيل عربي" تفاصيل سلامة السدود وحقيقة الغطاسين والمرسوم المؤجل

خديجة عليموسى

في سياق التساقطات المطرية التي عرفتها بلادنا خلال الفترة الأخيرة وما رافقها من ارتفاع ملحوظ في حقينة عدد من السدود، والتي نتج عنها إجلاء ما يزيد عن 154 ألف مواطن، يجري حاليا العمل على إعادتهم تدريجيا بعد تحسن الأحوال المناخية، برزت إلى الواجهة تساؤلات متعددة بشأن الوضعية الفعلية للموارد المائية، ومدى خروج البلاد من دائرة الجفاف، فضلا عن معايير سلامة السدود ومنظومة تدبير المخاطر والإنذار المبكر.

في هذا الإطار، حاور "تيلكيل عربي" المهندس رشيد رجل، رئيس قسم تخطيط المياه بالمديرية العامة لهندسة المياه التابعة لوزارة التجهيز والماء، الذي قدم توضيحات تقنية مفصلة بشأن تطور الوضعية الهيدرولوجية، ومفهوم الأمن المائي، وسلامة المنشآت، إلى جانب حقيقة ما راج حول سد وادي المخازن ومستجدات مشروع مرسوم تصنيف السدود.

- كيف تطورت وضعية الموارد المائية في المغرب خلال السنوات الأخيرة؟ وما آخر المستجدات المرتبطة بها ؟

شهدت وضعية الموارد المائية في المغرب خلال السنوات الأخيرة تراجعا ملحوظا بسبب توالي سنوات الجفاف وضعف التساقطات وارتفاع درجات الحرارة، ما أدى إلى انخفاض نسبة ملء عدد من السدود وتراجع منسوب المياه الجوفية، غير أن الموسم الحالي الذي نعيشه سجل تحسنا مهما، مما ساهم في رفع نسبة الملء السدود التي فاقت 70 في المائة.

-إلى أي حد يمكن اعتبار التساقطات الأخيرة مؤشرا على خروج فعلي من أزمة الجفاف؟

من الناحية العلمية، لا يمكن اعتبار التساقطات الأخيرة مؤشرا كافيا على الخروج الفعلي من أزمة الجفاف، لأن تقييم الوضعية الهيدرومناخية يتم بالاعتماد على معطيات زمنية تمتد لعدة سنوات، وليس على سنة واحدة فقط. فالمقارنة تتم بالمتوسطات التاريخية الممتدة أحيانا إلى 30 سنة أو أكثر، من أجل تحديد ما إذا كان هناك تحول حقيقي في المنحى العام أم مجرد تحسن ظرفي. كما أن المؤشرات العلمية تأخذ بعين الاعتبار التراكم الزمني للعجز المائي.

إضافة إلى ذلك، فإن الاتجاه التصاعدي لدرجات الحرارة أظهر أن الجفاف لم يعد مجرد ظاهرة ظرفية، بل أصبح معطى بنيويا مرتبطا بالتغيرات المناخية، حيث يؤدي ارتفاع الحرارة إلى زيادة التبخر وقلة التساقطات. لذلك، فإن موسما مطيرا واحدا ولو كان جيدا لا يكفي علميا للقول إن البلاد خرجت من أزمة الجفاف، ما لم يتأكد ذلك عبر توالي مواسم ممطرة وتحسن مستدام في المخزون المائي.

- ما الفرق بين التحسن الظرفي في الموارد المائية والأمن المائي على المدى الطويل؟

التحسن الظرفي في الموارد المائية يعني تسجيل ارتفاع مؤقت في حقينة السدود أو في منسوب المياه الجوفية نتيجة موسم مطير جيد، لكنه يظل مرتبطا بعوامل مناخية آنية وقد يتراجع بسرعة مع عودة الجفاف. أما الأمن المائي على المدى الطويل فيرتبط بالقدرة على ضمان تزويد منتظم ومستدام بالماء في مختلف الظروف، بما فيها سنوات الشح، وذلك عبر التخطيط الاستراتيجي متعدد الآفاق الزمنية.

في سياقنا، يتم تأطير هذا الأمن المائي عبر اعتماد وثائق التخطيط المائي على المستوى الوطني من خلال المخطط الوطني للماء، وعلى مستوى الأحواض المائية عبر المخططات التوجيهية للتهيئة المندمجة للموارد المائية، التي تعد رؤية تمتد إلى أفق 30 سنة لضمان استدامة الموارد المائية وتوازنها المجالي. أما على المدى القصير والمتوسط، فقد تم إطلاق البرنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب ومياه السقي، الذي يهدف إلى تسريع الاستثمارات المائية لضمان استمرارية التزويد، من خلال بناء السدود، وتطوير تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتقوية الربط بين الأحواض.

وتتميز هذه المقاربة بكونها دينامية وقابلة للتحيين حسب تطور الوضعية الهيدرولوجية، حيث تم مثلا تحيين كلفة البرنامج من حوالي 115 مليار درهم إلى 143 مليار درهم لتعبئة موارد مالية إضافية تواكب حدة الجفاف. كما تم إرساء حكامة مؤسساتية معززة، من بينها إحداث اللجنة الوطنية للماء لتتبع الوضعية المائية واتخاذ القرارات الاستعجالية.

ويعد إنجاز الشطر الاستعجالي لربط حوض سبو بحوض أبي رقراق مثالا عمليا على المرونة وحسن التدبير، حيث مكن من تحويل المياه لتأمين تزويد مناطق تعرف ضغط مائيا، لذا  فإن الأمن المائي لا يقاس فقط بوفرة ظرفية في التساقطات، بل بوجود رؤية  استراتيجية، واستثمارات مستدامة، وحكامة مرنة قادرة على التكيف مع التقلبات المناخية.

- ما المعايير المعتمدة لضمان سلامة السدود والمنشآت المائية؟

تخضع سلامة السدود في المغرب لمنظومة تقنية وهندسية متكاملة تهدف إلى حماية الأرواح والممتلكات وضمان استدامة هذه المنشآت الحيوية. وترتكز هذه المنظومة على محورين رئيسيين: هما معايير التصميم والإنجاز وكذا معايير المراقبة والتشغيل والصيانة.

وتشكل معايير التصميم أساس ضمان سلامة السد وتعتمد مراجع علمية ومهنية، كما تستند إلى توصيات المنظمات الدولية مثل اللجنة الدولية للسدود الكبرى، وتشمل الاستكشافات الجيولوجية والجيوتقنية، والتي تتضمن التجارب الهادفة لتحديد خصائص التربة والصخور المكونة لأساسات السد والتثبت من قدرتها على تحمل الأثقال المختلفة، كما تشمل أيضا عداد الدراسات الهيدرولوجية التي تهدف أساسا إلى تحديد الحمولات المائية المناسبة لحساب ارتفاع السد  تجنبا لخطر تجاوز المياه لقمته، إلى جانب التصميم الإنشائي الذي يرتكز على تحليل الاستقرار ضد الانزلاق والانقلاب، وضمان قدرة جسم السد على تحمل الضغوط الهيدروستاتيكية وكذا الزلازل وفق دراسة خاصة بموقع السد من خبراء متخصصين في الميدان، فضلا عن النموذج المصغر، حيث يخضع اشتغال السد وملحقاته قبل إنجازه إلى نمذجة هيدروليكية مصغرة في المختبر، للتحقق من سلوك المنشأة تحت مختلف السيناريوهات الهيدروليكية والإنشائية وفق المعايير الدولية المعتمدة.

ونظرا لطبيعة السدود المركبة، فإنه لا يتم إنجازها إلا من طرف مقاولات جد متخصصة. ويتم تتبع إنجازها من طرف مكاتب دراسات ومختبرات معتمدة.

أما بالنسبة لمعايير المراقبة والتشغيل والصيانة، فإن السدود تجهز بأنظمة مراقبة متقدمة تتيح تتبع سلامتها خلال مرحلتي البناء والاستغلال، وتشمل الرصد الآلي وبرامج تفتيش دورية.

فبالنسبة للرصد الآلي، يشمل تركيب أجهزة لقياس ضغط المسام، والتسرب، والتحركات الهيكلية، وتحليل بياناتها بانتظام للكشف المبكر عن أي خلل.

أما بخصوص برامج التفتيش الدورية فتشمل تفتيشا روتينيا يوميا أو أسبوعيا من طرف مشغلي السد، وتفتيشا فنيا دوريا حيث تخضع جميع السدود وطنيا، وبدون استثناء، لزيارات دورية من طرف خبراء للتأكد من احترام المعايير وتقييم مستوى الأداء العام، إلى جانب تفتيش استثنائي يتم بعد الزلازل، الفيضانات الكبرى، أو أي أحداث غير عادية، إلى جانب صيانة المعدات الميكانيكية من خلال اختبار بوابات مفرغ القعر ومفرغ الحامولات بشكل منتظم لضمان جاهزيتها في حالات الطوارئ.

-كيف يتم تقييم المخاطر البنيوية من قبيل التشققات والتسرب والترسبات؟

يتم تقييم المخاطر من خلال أجهزة رصد وتتبع يتم وضعها مسبقا داخل جسم السد خلال فترة الإنجاز، بحيث يتم من خلالها تتبع الحالة الهيكلية للمنشأة المائية وكذا تتبع التسربات المائية والقياس المتواصل لصبيبها.

ويتم تحليل البيانات المستخلصة من هذه الأجهزة وفق منهجية علمية دقيقة ومقارنتها بالحالة المرجعية للمنشأة المائية مما يمكن من رصد استباقي لأي خلل قد يشوب الاشتغال العادي للمنشأة. وعند الاقتضاء يتم إنجاز خبرة ميدانية قصد تحديد الإجراءات التي سيتم اتخاذها لضمان الاشتغال السليم لها.

ولا بد من أن أشير إلى أن منظومة الفحص والرصد بالسدود الوطنية تستجيب إلى معايير تقنية دقيقة مطابقة للمعايير الدولية المعمول بها في هذا الباب، وقد راكم  المغرب تجربة وخبرة في تدبير واستغلال السدود مشهود له بها على المستوى الدولي.

-تم الحديث عن الاستعانة بغطاسين للتدخل على مستوى أبواب سد وادي المخازن، ما حقيقة ذلك؟ وما الإجراءات المعتمدة لتدبير عمليات التفريغ الجزئي بشكل آمن؟

هذا الخبر عار من الصحة، فوجود غطاسين بالتزامن مع ارتفاع حقينة السد مرتبط بأشغال مبرمجة مسبقا متعلقة بأنبوب الماء الشروب قيد الإنجاز في إطار مشروع الربط المائي بين سدي واد المخازن ودار خروفة.

وبخصوص إجراءات التفريغ الاستباقي والتدريجي للحقينة، فقد تم وفق تعليمات استغلال السد مع مراعاة التخفيف من التداعيات بالسافلة من جهة، وسلامة المنشأة المائية من جهة أخرى.

وبالنظر إلى حجم الواردات الاستثنائية الذي تم تسجيله على مستوى حقينة سد واد المخازن منذ فاتح شتنبر 2025 إلى 16 فبراير 2026 والذي بلغ 1565 مليون متر مكعب، منها 720 مليون متر مكعب خلال الأسبوعين الأخيرين أي ما يعادل 55 في المائة من مجموع الواردات التي تم تسجيلها، فلم يكن ممكنا التسريع بعملية التفريغ بالنظر لقدرة تصريف السد للمياه عبر منشآته الملحقة (مفرغ القعر، مفرغ الحامولات ومأخذ الماء الصناعي) مع الأخذ بعين الاعتبار التأثير على سافلة السد.

-هل توجد منظومة إنذار مبكر في حالة الخطر أو الفيضانات؟

نعم، يتوفر المغرب على منظومة للإنذار المبكر تعتمد على تتبع الأحوال الجوية ومستويات الأودية والسدود، بتنسيق بين المصالح المختصة والسلطات الترابية. هذه المنظومة تتيح إصدار نشرات إنذارية استباقية عند توقع تساقطات قوية أو فيضانات، مما يسمح باتخاذ تدابير وقائية لحماية الأرواح والممتلكات.

كيف تؤثر التقلبات المناخية على متانة المنشآت المائية؟

تؤدي التقلبات المناخية وتغير أنماط التساقطات إلى زيادة حدة الظواهر الهيدرولوجية القصوى، مما يضع المنشآت المائية تحت ضغوط كبيرة قد تتجاوز أحيانا قدرتها التصميمية. ويمكن تلخيص أبرز التأثيرات في الفيضانات والتوحل،  ففي الحالة الأولى تتسبب الزيادات المفاجئة في حجم التدفقات المائية في الضغط على مفرغات الحامولات، وقد تتجاوز هذه التدفقات القدرة التصميمية للمنشأة، مما يرفع خطر تجاوز المياه لقمة السد، أما الحالة الثانية والمرتبطة بالتوحل فإن الأمطار الغزيرة تؤدي إلى تسريع تعرية التربة في الأحواض المزودة للسدود، مما يزيد من كمية الرواسب المحمولة نحو حقينة السدود. ومع تراكم هذه الرواسب، تنخفض السعة التخزينية الفعلية للسد، كما تتأثر بذلك كفاءة مآخذ المياه والمعدات الهيدروميكانيكية اللازمة للتشغيل والصيانة. ولمواجهة ذلك، يتم اعتماد مجموعة من التدابير المتكاملة تشمل تهيئة الأحواض المائية عبر التشجير، وإنشاء الحواجز والسدود الصغرى والتلية، وتنظيم المجاري المائية، إضافة إلى إزالة الأوحال دوريا وإفراغ الرواسب، مع ضمان المراقبة الطبوغرافية المنتظمة لتتبع تطور الترسبات واتخاذ التدابير المناسبة في الوقت الملائم.

-هل يتم تأطير السلامة بمنطق الوقاية أم بمنطق التدبير بعد الأزمة؟

تعتمد مقاربة السلامة أساسا على منطق الوقاية والاستباق عبر المراقبة المستمرة وإعداد خطط الطوارئ، غير أن التدبير بعد الأزمة يظل جزءا مكملا في حالة وقوع أحداث غير متوقعة. التوجه الحالي يركز على تقوية آليات الوقاية لتقليل المخاطر قبل حدوثها.

-يلاحظ أن هناك غيابا أو نقصا في عمليات التحسيس والشرح المبسط للمواطن حول وضعية السدود والمخاطر المحتملة، خاصة أثناء الفيضانات أو عمليات التفريغ الجزئي، ما رأيكم؟

قد لا يكون التواصل أحيانا بمستوى  التبسيط المطلوب، ما قد يفتح المجال أمام الإشاعات وسوء الفهم، خصوصا في الفترات الحساسة مثل الفيضانات أو عمليات التفريغ الجزئي للسدود. فالمعطيات التقنية غالبا ما تقدم بلغة متخصصة يصعب على عموم المواطنين استيعابها، وهو ما يستدعي اعتماد خطاب تواصلي مبسط، منتظم، واستباقي يشرح السياق والأسباب والإجراءات المتخذة بشكل واضح.

في هذا الإطار، تم إطلاق منصة "الما ديالنا" كآلية رقمية للتحسيس والتواصل حول قضايا الماء، إلى جانب صفحاتها الرسمية على فيسبوك وإنستغرام، بهدف تقريب المعلومة من المواطن بلغة مبسطة وتفاعلية. هذه المبادرات الرقمية تساهم في نشر ثقافة مائية قائمة على الفهم والمشاركة، وتدعم الشفافية المؤسساتية، خاصة في ظل تزايد الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر مهم للمعلومة.

-تدارس مجلس الحكومة، يوم الخميس 05 فبراير 2026، مشروع المرسوم رقم 2.25.542 المتعلق بتصنيف السدود ورصد سلامتها وتقييمها لكن لم تتم المصادقة عليه، ما أبرز مضامين هذا المرسوم وما هي الآثار الناجمة عن تأخره؟

إن المشروع المتعلق بتصنيف السدود ورصد سلامتها وتقييمها يعد نصا من ضمن ثلاثة مشاريع مراسيم مترابطة، بحيث يتعين أن تمر دفعة واحدة ضمن أشغال المجلس الحكومي؛ بالنظر إلى ارتباط مقتضياتها بوحدة الموضوع المتعلقة بالسدود.

كما أن إعداد مشروع المرسوم السالف الذكر تطلب وقتا بحكم كثرة المتدخلين، إذ يتعين على كل طرف الإدلاء بملاحظاته بشأنه والتوافق على صيغة تأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الاقتراحات.

ويهدف مشروع المرسوم رقم 2.25.542 المتعلق بتصنيف السدود ورصد سلامتها وتقييمها إلى تطبيق المواد 2 و14 و 15 و 16 و24 من القانون 30.15 المتعلق بسلامة السدود بتنظيم  المناهج والمعايير التي على أساسها يتم تصنيف السدود (المادة 2 من القانون 30.15)، ثم كيفيات رصد سلامة السدود ولا سيما دوريته وتنظيمه ومؤهلات الأشخاص المكلفين به (المادة 14 من القانون 30.15)، إلى جانب الشروط التي على أساسها يكلف مستغل السد المهني المعتمد للقيام بدراسات تقييم سلامة السدود وكذا مضمون هذه الدراسة وشروطها ووتيرة إنجازها (المادة  15 من القانون 30.15)، فضلا عن كيفيات المصادقة على دراسة تقييم سلامة السدود وعلى الأشغال المزمع القيام بها وكذا على الجدول الزمني لتنفيذها (المادة 16من القانون 30.15)، ثم المعلومات التي يتعين إدراجها بدليل السدود ( المادة 24 من القانون 30.15)

ويجب الإشارة في هذا الصدد إلى أن سلامة الحظيرة الوطنية من السدود شكلت وتشكل منذ انطلاق إنجاز برنامج السدود بالمملكة أولوية قصوى بالنسبة للساهرين على تصميمها وإنجازها واستغلالها. ويأتي المرسوم المذكور لتنظيم وتفصيل المساطر المتبعة حاليا لضمان سلامة مستدامة ومقننة للسدود  تأخذ بعين الاعتبار توجه الحكامة الجيدة واللاتمركز وتطبيق الممارسات الفضلى.