في القصر الكبير، لم تعد الأيام تقاس بالساعات، بل بمنسوب الماء، وبالأخبار الرائجة حول النشرات الإنذارية المتعلقة بالتساقطات المطرية وموعد إجراء عملية إفراغ تدريجي لتخفيف الضغط على سد وادي المخازن، في هذا السياق الاستثنائي، لم يكن الخطر وحده هو ما أقلق السكان، بل سؤال الإيواء: أين نذهب؟ وكيف نؤوي أنفسنا دون أن نفقد كرامتنا أو نثقل كاهل غيرنا؟
بين الإيواء عند الأقارب، والإيواء في مراكز خصصتها السلطات العمومية منذ اللحظات الأولى، ظهرت اختيارات وقرارات متباينة، لكل منها منطقه، وكلفته النفسية والمادية.
خوف من الندم
محمد، موظف بإحدى الإدارات العمومية، لم يمنح نفسه وقتا طويلا للتفكير، يقول إن ارتفاع منسوب المياه وتحذيرات السلطات دفعاه إلى اتخاذ قرار سريع بنقل أسرته إلى مدينة سلا، كان الخوف أسرع من الحسابات، مضيفا في حديثه لـ"تيلكيل عربي" لم أرغب في أن أندم يوما على تأخري في اتخاذ قرار هدفه الأول حماية زوجتي وأطفالي، رغم الكلفة النفسية التي رافقته".
ويتابع محمد أن الاستقرار المؤقت عند الأقارب لم يعد، في زمننا هذا، أمرا بسيطا أو عاديا، بل أصبح يحمل كلفة إنسانية ومادية خاصة، لا سيما في ظل غياب معطيات واضحة حول موعد العودة إلى المنزل "أنت لا تعرف متى ستعود، ولا كم سيطول هذا الوضع، وهذا وحده كفيل بأن يضاعف الضغط النفسي وأخشى أن أتحول إلى ضيف ثقيل"، يقول محمد.
ويكشف أن مواكبته المكثفة لما يتداول على مواقع التواصل الاجتماعي كانت عاملا إضافيا في تعميق قلقه، فقد وجد نفسه يتتبع الأخبار والصور ومقاطع الفيديو بشكل متواصل، ويبحث عبر الأنترنت عن تفاصيل تتعلق بجغرافيا المدينة، ومسارات المياه، وعلو مياه البحر، وتأثير ذلك على منسوب الأودية والسدود.
ويوضح أن محاولته فهم الوضع علميا لم تمنحه الطمأنينة التي كان يبحث عنها، بل زادت من حدة الخوف والارتباك، ما سرع من قرار التوجه لدى أقاربه.
وعن لحظة المغادرة، يوضح محمد أن أول ما حرص على حمله كان الوثائق، معتبرا إياها الأهم بالنسبة إليه من أي أمتعة، ويستحضر، بحسرة واضحة، ما لحق بالمحكمة الابتدائية من أضرار بعد أن غمرتها المياه، متحدثا عن تضرر الأرشيف بحكم وجوده في الطابق الأرضي.
ويضيف أن المشهد الذي عاينه داخل المحكمة، وكيف غرقت مرافقها، دفعه إلى طرح تساؤلات عميقة حول كيفية تدبير الملفات والوثائق في فترات الأزمات والتعامل مع الكوارث.
وقال في هذا السياق "هل من المنطقي وضع وثائق حساسة في طابق تحت أرضي، خاصة أن موقع المحكمة شيد فوق أرض كان أصلها فلاحيا؟".
وبحسب محمد، فإن ما حدث يطرح بإلحاح إشكالات الرقمنة والتخطيط المسبق لحماية الأرشيف والوثائق الإدارية، موضحا أن الأزمات تكشف، في كثير من الأحيان، ضعف التصور الاستباقي في تدبير المرافق العمومية وحماية ذاكرتها.
لم أرد أن أكون عبئا على أحد
إذا كان محمد قد اختار الرحيل المؤقت حماية لأسرته، تحت وطأة الخوف وتسارع التحذيرات، فإن فاطمة اختارت التوجه نحو مركز للإيواء، حفاظا على كرامتها لأنها اعتبرت أن في الرحيل عبئا مضاعفا، لا يقل قسوة عن الخطر نفسه، لأن الانتقال للسكن لدى الأقارب، في نظرها، لا يتوقف عند تذكرة سفر مجانية، بل يفتح بابا أمام مسؤوليات يومية وحرج دائم لا تستطيع تحمله.
في شهادتها لـ"تيلكيل عربي" توضح فاطمة أن قرارها البقاء داخل القصر الكبير والتوجه إلى مركز الإيواء كان اختيارا واعيا، وليس نتيجة غياب بدائل، لتضيف أنها لم تفكر أصلا في البحث عن أقارب أو الاتصال بهم، لأنها ترى في ذلك حملا ثقيلا لا تود وضعه على كاهل غيرها.
"لم أرد أن أبحث عن أحد، لأن الذهاب إلى الأقارب لا يعني النجاة فقط، بل يعني أيضا تحميلهم مسؤوليات يومية قد لا تكون في متناولهم".
وتضيف أن ما عاشته داخل منزلها، حين غمرت المياه الأثاث واضطرت إلى الصعود عند الجيران، جعلها أكثر اقتناعا بأن الحل لا يجب أن يكون على حساب كرامتها أو راحة أسر أخرى.
وترى هذه السيدة أن الإيواء الجماعي، في مثل هذه الظروف، لا يعني فقط توفير سقف، بل تقاسم الخوف والانتظار مع آخرين يعيشون الوضع نفسه، في انتظار حلول دائمة.

تذكرة سفر مجانية
أما حسن، العامل المياوم، فيوضح لـ"تيلكيل عربي" أن وضعه المادي الصعب لم يسمح له بمغادرة القصر الكبير، رغم تلقيه دعوة من أقارب له في طنجة عرضوا استقباله إلى حين انقضاء الأزمة.
لم يكن رفضه ناتجا عن قطيعة أو جفاء، بل عن وعي ثقيل بالكلفة.
يحكي هذا الرجل أن الذهاب إلى الأقارب لا يبدأ بتذكرة قطار مجانية أو بالتنقل عبر حافلة وفرتها جمعيات المجتمع المدني، ولا ينتهي عند باب منزل مفتوح، بل يمتد إلى تفاصيل يومية تثقل النفس قبل الجيب.
ويضيف أن المغاربة معروفون بالكرم والتآزر والتضامن وقت الشدة، وأن أفراد عائلته المقيمة في طنجة حاولوا معه كثيرا، غير أن الإقامة عندهم تعني مصاريف إضافية، ومسؤوليات يومية، وشعورا دائما بأنك ضيف لا يعرف متى سيغادر، ويرى أن الغموض الذي يلف موعد العودة يجعل هذا الخيار مستبعدا إلى حد كبير، لأن الانتظار بلا أفق يتحول إلى عبء نفسي أثقل من الخوف نفسه.
وبالنسبة إلى حسن، كان البقاء في مركز الإيواء أحسن وأفضل من الرحيل الذي قد يحمله فوق طاقته. ويضيف "لست ضد التضامن، بل أنا معه، لكنني أحاول أن أفكر بعقلانية أكثر وبواقعية".
ورغم مظاهر التآزر والتضامن التي برزت بقوة، من مبادرات فردية وجماعية، ورغم توفير السلطات مختلف شروط الإيواء وتجند عدد من المصالح للسهر على حماية المواطنين، يردد بعض المتضررين أن ما جرى ليس مسؤولية الأسر ولا الأقارب. ولهذا، انتقدت بعض الأصوات دعوات التوجه نحو الأقارب التي صدرت منذ البداية عن بعض المسؤولين السياسيين، معتبرة أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الجهات المكلفة بتدبير المخاطر وحماية السكان في مثل هذه الأوضاع الاستثنائية.
مرغما أغادر
هكذا، في القصر الكبير، لا تحكي القصة فقط عن فيضانات محتملة، بل عن كرامة إنسانية تختبر في لحظات الشدة، وعن أسر وجدت نفسها مضطرة لأن توازن بين الحاجة إلى النجاة، والخوف من أن تكون عبئا على غيرها، في انتظار أن تمر العاصفة وتعود الحياة إلى منازلها.
وبين شهادات الرحيل والبقاء، والخوف والكرامة، تبدو القصر الكبير وكأنها تعيش لحظة اختبار إنساني جماعي، لا تقاس فقط بارتفاع منسوب المياه أو بنشرات التحذير، بل بما تتركه هذه اللحظة من أثر عميق في النفوس، لحظة تختصرها كلمات عبد السلام دخان، الشاعر والباحث في جماليات التعبير وقضايا الفكر الإنساني، الذي دون وجع المدينة بلغة الشعر على صفحة "الفيسبوك" مرفقة بصورة له أمام منزله، حين كتب:
مُرغَما أغادرُ
مسكني الآمن
بالقصر الكبير،
لا ألتفتُ كثيرا،
فالماء كان أسرع من الوداع.
أترك خلفي
ذاكرة الأمس،
رطبةً بالخوف،
وأسماء كانت معلّقة على الجدران
قبل أن يجرفها الصمت.
الآن، أقف عند بوابة البيت،
متأهبا للسفر،
جسدي في الطريق،
وقلبي ما يزال
عالقا
في الداخل
