خربوش لـ"TELSPORT عربي": يجب جعل المعد الذهني شرطا إلزاميا ونحتاج لتغيير العقليات (حوار)

أمينة مودن

"المباريات الرسمية ليست سوى امتداد للتدريبات اليومية، لكن في أجواء وضغط مختلفين".. بهذه العبارة تختصر فاطمة الزهراء خربوش، المعدة الذهنية لفريق اتحاد يعقوب المنصور للسيدات، جوهر العمل الذهني في كرة القدم الحديثة، حيث لم يعد التفوق مرتبطا فقط بالجانب البدني أو التكتيكي، بل أصبح الاشتغال على الصحة النفسية للاعب عنصرا حاسما في صناعة الفارق.

في هذا الحوار مع مجلة "TELSPORT عربي"، تسلط خربوش الضوء على واقع الإعداد الذهني في كرة القدم المغربية، وأهميته داخل الفرق النسوية، كما تكشف عن أبرز التحديات التي تواجه هذا التخصص.

في كرة القدم الحديثة، أصبح الإعداد الذهني لا يقل أهمية عن الإعداد البدني والتكتيكي، من خلال تجربتك مع فريق اتحاد يعقوب المنصور للسيدات، هل وصلنا فعلا إلى هذه المرحلة، أم إن الطريق ما يزال طويلا لتحقيق ذلك؟

الوعي بأهمية الإعداد الذهني داخل أندية كرة القدم، سواء تعلق الأمر بفئة الذكور أو الإناث، في ارتفاع، لكن حاليا يمكن القول إننا ما نزال في مرحلة البناء. إذ لم نصل بعد في المغرب إلى مرحلة يصبح فيها الإعداد الذهني جزءا أساسيا ومندمجا بشكل كامل داخل منظومة كرة القدم الوطنية.

نحن في حاجة إلى مزيد من الوقت، إلى جانب عمل متواصل ومنهجي لتأصيل الإعداد الذهني، حتى يحظى داخل الأندية بنفس الأهمية التي يتمتع بها الإعداد البدني والتكتيكي.

ومن خلال تجربتي مع نادي اتحاد يعقوب المنصور للسيدات، فإن عددا من اللاعبات أظهرن واعيا بأهمية هذا الجانب الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من التحضيرات، كما أصبحن يطلبن مباشرة المساعدة لمواكبتهن بشكل يومي.

كيف يمكن تعريف "العمل الذهني" داخل الفريق؟ وهل يقتصر حضوره على المباريات، أم يبدأ منذ الحصص التدريبية اليومية؟

لا يمكن اختزال العمل الذهني داخل أندية كرة القدم في لحظة المباريات فقط، لأنه، وعلى غرار الإعداد البدني والتكتيكي، يبنى ويُطوَّر بشكل يومي ومنهجي.

من خلال تجربتي، أعمل مع اللاعبات بشكل يومي وعلى مستويين متكاملين، أولا، عبر حصص إعداد ذهني جماعية تهدف إلى تعزيز روح الفريق، وتقوية التواصل بين مختلف مكوناته.

ثانيا، من خلال برمجة لقاءات فردية مع كل لاعبة على حدة، وفق احتياجاتها الخاصة وظروفها النفسية، ومشاكلها.

ومما يسهل عملنا كمعدين ذهنيين هو وعي اللاعبة بالمشكل أو ما يمكن تسميته "الحاجز الذهني"، وقدرتها على تحديده بدقة، ثم العمل على التحكم في الضغط المحيط بها، والحفاظ على تركيزها سواء خلال التدريبات أو أثناء المباريات.

وأؤكد دائما للاعبات أن المباريات الرسمية ليست سوى امتداد للتدريبات اليومية، لكنها تقام في أجواء وطقوس مختلفة، وتحت ضغط أكبر.

ما أبرز الحالات التي يتدخل فيها المعد الذهني داخل الفريق، وهل ترتبط أكثر بالضغط النفسي أم بكيفية التعامل مع الهزيمة؟

تعد مسألة الهزيمة وما ينتج عنها من فقدان الثقة من أكثر الحالات شيوعا التي تعاملت معها في عملي، فقد اشتغلت مع لاعبين ولاعبات فقدوا ثقتهم في أنفسهم لأسباب مختلفة، من بينها قلة دقائق اللعب، أو ضغط المنافسة، أو الخوف من ارتكاب الأخطاء وما قد يترتب عنه من فقدان المكانة داخل الفريق أو ثقة الطاقم التقني.

ومن خلال تجربتي، لاحظت أن الثقة بالنفس تشكل المحور الأساسي في البناء الذهني للاعب أو اللاعبة، وهي عنصر حاسم قد يصنع الفارق الحقيقي بين لاعب وآخر.

فعندما تكون هذه الثقة راسخة وقوية، يصبح اللاعب قادرا على إحداث تحول كبير في مساره الرياضي، وتجاوز الصعوبات، وفرض نفسه بشكل أفضل داخل المجموعة.

لذلك، فإن العمل على تعزيز الثقة بالنفس يظل من أهم المفاتيح التي نركز عليها، لما لها من تأثير مباشر في تطوير الأداء وتحقيق التوازن الذهني داخل الملعب وخارجه.

هناك أندية تعتمد على المعد الذهني كعنصر دائم ضمن الطاقم التقني، وأخرى تلجأ إليه فقط في فترات الأزمات. من وجهة نظرك، ما الفرق في النتائج بين هذين النموذجين؟

الفرق بين النموذجين كبير وواضح، فحين يتوفر الفريق على مُعد ذهني دائم ضمن الطاقم، يصبح العمل متكاملا ومستمرا بين جميع المتدخلين وعلى المدى البعيد، ولا يقتصر فقط على تدبير الأزمات عند حدوثها.

في هذا الإطار، يتعلم اللاعبون واللاعبات التعامل مع الضغط بشكل تدريجي وطبيعي، لأن المواكبة تكون يومية وليست ظرفية.

ومع مرور الوقت، يتحول الضغط إلى عنصر مألوف في حياتهم الرياضية، ويتم اكتساب أدوات ذهنية تساعدهم على التحكم فيه بدل التأثر به.

في المقابل، نلاحظ أن الفرق التي تلجأ إلى المعد الذهني فقط خلال فترات المنافسات أو عند الأزمات، تجد نفسها أمام صعوبات مركزة في وقت محدود، ما يجعل التدخل أقل فاعلية وتبقى نتائجه محدودة.

لذلك، يمكن القول إن الإعداد الذهني هو استثمار طويل الأمد داخل أندية كرة القدم، وليس مجرد تدخل ظرفي يستدعى عند الحاجة.

في كرة القدم النسوية تحديدا، هل ترين أن اللاعبات يتفاعلن مع الإعداد الذهني بشكل مختلف مقارنة بالرجال؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين يتجلى هذا الاختلاف؟

نعم، يمكن الحديث عن بعض الفوارق في كيفية تفاعل اللاعبات مع الإعداد الذهني مقارنة باللاعبين، وأبرزها يتجلى في طبيعة الاستجابة والانخراط في هذا العمل.

ففي كثير من الحالات، تظهر لاعبات كرة القدم حساسية أكبر تجاه المحيط والضغوط المختلفة، وهو ما يجعلهن قادرات على التفاعل بشكل أعمق مع العمل الذهني، متى تم التعامل معهن بالطريقة المناسبة.

هذه الحساسية، ورغم ما قد تشكله ظاهريا من تحد، يمكن أن تتحول إلى نقطة قوة حقيقية إذا أحسن توظيفها.

في المقابل، تحتاج اللاعبات غالبا إلى وقت أطول لبناء الثقة مع المعد الذهني، وكذلك لفهم مسار الإعداد الذهني واستيعاب آلياته.

وهنا يبرز دور المعد في ترسيخ علاقة قائمة على الثقة والوضوح، لأن هذه الثقة تعد الأساس الذي يسمح للاعبات بالانخراط الكامل، والاستماع، ثم تطبيق التوجيهات بشكل فعال.

وعندما تتأسس هذه العلاقة بشكل سليم، فإن النتائج غالبا ما تظهر بسرعة، ويكون تطور الأداء الذهني والرياضي ملحوظا بشكل إيجابي.

كيف يتم التعامل مع لاعبة فقدت ثقتها بنفسها بعد إصابة أو سلسلة من النتائج السلبية، هل هناك بروتوكول محدد، أم أن لكل حالة مقاربة خاصة؟

لا يوجد بروتوكول واحد يصلح لجميع الحالات، فالإعداد الذهني يقوم أساسا على مبدأ التعامل الفردي، أي وفق خصوصية كل لاعبة أو لاعب، حيث تفرض شخصية الرياضي واحتياجاته النفسية نوع المقاربة المعتمدة.

في العادة، نبدأ أولا بمرحلة الاستماع الجيد للرياضي، إذ من الضروري أن يشعر بأنه مسموع ومفهوم، وأن هناك تعاطفا حقيقيا مع وضعه، وليس مجرد تحليل جاف لشخصيته. هذه الخطوة تعد أساسية لبناء الثقة وتهيئة الأرضية للعمل.

بعد ذلك، ننتقل تدريجيا إلى العمل على استعادة الثقة بالنفس، من خلال وضع أهداف صغيرة، واقعية وقابلة للتحقيق، وعندما يبدأ اللاعب أو اللاعبة في تحقيق هذه الأهداف، يتولد لديهم إحساس بالقدرة والإنجاز، وهو ما يشكل دافعا قويا للاستمرار.

ومع هذا التقدم، نعمل على توسيع دائرة الثقة، إلى أن يدرك الرياضي أنه قادر على تحقيق أمور أكبر، ويستعيد تدريجيا إيمانه بإمكاناته، وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على أدائه داخل الملعب وخارجه.

يعد الضغط الجماهيري والإعلامي من أكبر التحديات، فكيف يتم إعداد اللاعبات نفسيا لخوض المباريات الحاسمة؟

في المباريات الحاسمة، لا يبدأ الإعداد الذهني قبل يوم واحد فقط من موعدها، بل ينطلق قبل عدة أيام من المواجهة، ضمن عمل تدريجي يهدف إلى تهيئة اللاعب أو اللاعبة نفسيا بشكل متوازن.

نحرص في هذه المرحلة على خلق حالة ذهنية مستقرة، بعيدة عن التوتر والقلق والضغط المفرط، ويتم ذلك من خلال الاشتغال على تقنيات الاسترخاء، إلى جانب تعزيز الحوار الداخلي الإيجابي، بما يساعد الرياضي على التحكم في أفكاره ومشاعره.

كما نركز بشكل أساسي على توجيه انتباه اللاعب نحو العوامل الداخلية التي يمكنه التحكم فيها، مثل أدائه، وتركيزه، واستعداده، بدل الانشغال بالعوامل الخارجية كالجمهور، أو التحكيم، أو الإعلام.

والهدف هو تقليص تأثير هذه المؤثرات، وجعل اللاعب أكثر ثقة في تحضيراته وإمكاناته داخل رقعة الميدان.

وعندما يلتزم اللاعب بهذه التوجيهات، يدخل المباراة وهو واعٍ بما يجب عليه القيام به، ومؤمن بنقاط قوته، لكونه أصبح في وضع ذهني أفضل يسمح له بتقديم أداء متوازن وقريب من إمكاناته الحقيقية.

هل سبق أن لاحظت أن الإعداد الذهني كان له تأثير مباشر في تغيير نتيجة مباراة أو مسار موسم كامل؟ وهل يمكن مشاركة مثال ملموس من تجربتك؟

عندما يتوفر الوقت الكافي للإعداد الذهني داخل أي فريق، ويتم الاشتغال عليه بطريقة صحيحة ومنهجية، فإن أثره يكون واضحا وملموسا، وينعكس بشكل مباشر على الأداء فوق أرضية الملعب.

فالإعداد الذهني لا يعطي ثماره بشكل فوري فقط، بل يراكم نتائجه مع مرور الوقت، ويسهم في تحقيق استقرار نفسي وأداء أكثر توازنا.

ويمكن ملاحظة أهمية هذا الجانب، بشكل أكبر، في نهاية الموسم، حين يصل اللاعبون إلى مرحلة من الإرهاق البدني، وهنا تحديدا يبدأ العامل الذهني في صنع الفارق الحقيقي بين الرياضيين.

ففي الوقت الذي تتقارب فيه الجاهزية البدنية، تصبح القوة الذهنية، والقدرة على التركيز، والتحكم في الضغط، عناصر حاسمة في تحديد مستوى الأداء.

ومن خلال تجربتي مع اللاعبات، واجهنا في مرحلة معينة تحديا مرتبطا بعدم رضاهن عن عدد دقائق اللعب، وهو أمر كان يؤثر سلبا على حالاتهن الذهنية وعطائهن داخل الملعب.

لكن بعد الاشتغال على هذا الجانب، من خلال حصص ذهنية موجهة، بدأ التغيير يظهر تدريجيا، سواء على مستوى تقبل الأدوار، أو الحفاظ على التركيز، أو الاستعداد الذهني عند المشاركة.

ومع مرور الوقت، انعكس هذا العمل بشكل إيجابي على الأداء، إذ أصبحت اللاعبات أكثر جاهزية، وأكثر قدرة على استثمار الفرص المتاحة لهن، وهو ما يؤكد أن الإعداد الذهني، عندما يتم إيلاؤه الوقت والاهتمام اللازمين، يمكنه أن يحدث تحولا حقيقيا في مسار الفريق وأداء أفراده.

في المغرب، لم ينل بعد دور المعد الذهني مكانته الكاملة. برأيك، أين يكمن الخلل؟

يرجع ذلك، في نظري، إلى مجموعة من العوامل المتداخلة.

أولا، هناك إشكال مرتبط بالعقليات، إذ لا يزال البعض ينظر إلى الإعداد الذهني على أنه نوع من الرفاهية أو عنصر ثانوي، مخصص فقط للمستويات الاحترافية، وليس حاجة أساسية داخل جميع الأندية.

ثانيا، عامل التكوين، حيث نسجل نقصا في البرامج المتخصصة وفي الأطر المؤهلة، سواء على مستوى التكوين أو داخل الأندية.

ثالثا، مسألة الإمكانيات، إذ تغفل العديد من الأندية ( مع استثناءات معدودة على رؤوس الأصابع)، تخصيص ميزانية خاصة للمعد الذهني، رغم أهميته، وتعطي الأولوية لجوانب أخرى، دون إدراك أن الاستثمار في الجانب الذهني يمكن أن يكون له أثر مباشر وملموس على الأداء والنتائج.

في المقابل، أرى أن الحل يبدأ أساسا من نشر الوعي داخل الأندية، سواء لدى المدربين أو المسؤولين، بقيمة الإعداد الذهني ودوره الحاسم في تطوير الأداء.

وعندما يتعزز هذا الوعي، ستتجه الأندية بشكل طبيعي نحو إدماج المعد الذهني كعنصر أساسي داخل الطاقم التقني، على قدم المساواة مع باقي المكونات، لما له من تأثير واضح في تحسين مردودية الفريق وتحقيق نتائج أفضل.

إذا أردنا تطوير كرة القدم الوطنية، هل ترين أن تعميم الإعداد الذهني داخل الأندية يجب أن يكون إلزاميا؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك على أرض الواقع؟

على المدى البعيد، ينبغي أن يصبح الإعداد الذهني، والتوفر على مختص في هذا المجال، شرطا أساسيا وملزما ضمن أي طاقم تقني محترف.

عمليا، يمكن تحقيق ذلك من خلال إدماج هذا التخصص ضمن معايير الترخيص للأندية من طرف الجامعة، بحيث يصبح وجود المعد الذهني جزءا إلزاميا داخل الطاقم التقني، تماما كباقي المكونات.

كما يجب العمل، في الوقت نفسه، على تكوين المدربين في أساسيات علم النفس الرياضي، حتى يكون هناك وعي جماعي بأهمية هذا الجانب.

ومن جهة أخرى، لا بد من الإشارة إلى أن هذا المجال لا يزال يعاني من قلة التكوينات المتخصصة، سواء على مستوى البرامج الأكاديمية أو المؤسسات التكوينية، وهو ما يستدعي تطوير مسارات واضحة لإعداد أطر مؤهلة في هذا المجال.

كما ينبغي ألا ننتظر بروز الأزمات النفسية لدى الرياضيين حتى نولي هذا الجانب الاهتمام اللازم، بل يجب التعامل معه كعنصر وقائي وأساسي منذ البداية.

لذلك، من الضروري أن يدرج الإعداد الذهني كركيزة ضمن برامج التحضير مع بداية كل موسم، تماما كما هو الحال بالنسبة للإعداد البدني.

فمثلما يتم وضع برنامج بدني قبل انطلاق المنافسات، يجب أيضا تخصيص برنامج واضح للتحضير الذهني، سواء على مستوى المجموعة أو على المستوى الفردي، بما يساعد على تفادي الحالات المرتبطة بالضغط والتوتر، ويسهم في تحسين الأداء والنتائج.