خلوة الرباط.. مبيكي: أزمة الأمم المتحدة المالية يجب ألا تمنع البث العلني والمشاركة المدنية

محمد فرنان

أكدت المديرة التنفيذية لمنظمة "UPR Info"، منى مبيكي (Mona M'Bikay) أن آلية المراجعة الدورية الشاملة تمر بمرحلة نضج متقدمة، باتت تفرض الانتقال من التركيز على صياغة التوصيات إلى ضمان أثرها الفعلي والتحويلي على أرض الواقع.

جاء ذلك خلال عرض قدمته في إطار "خلوة الرباط"، صباح اليوم، تحت شعار "ما بعد الجولة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل: دعم الآلية وضمان التأثير في واقع حقوق الإنسان"، التي تمتد يومي الجمعة والسبت، استندت فيه إلى نتائج استبيان شمل 146 منظمة ومؤسسة من مختلف أنحاء العالم، بينها حكومات ومنظمات مجتمع مدني ومؤسسات وطنية لحقوق الإنسان، حيث أوضحت أن هناك إجماعا واسعا على أهمية الآلية، مقابل استمرار تحديات كبيرة على مستوى التنفيذ.

وأبرزت مبيكي مفارقة بين تقييم أهمية الآلية ومستوى تنفيذ توصياتها، مشيرة إلى أن 81 في المائة من المشاركين يرون أن المراجعة الدورية تساهم بفعالية في تحسين وضعية حقوق الإنسان، في حين لم تتجاوز نسبة الذين قيموا مستوى التنفيذ بأنه "عال" أو "عال جدا" 15 في المائة فقط.

واعتبرت أن هذه الفجوة تضع مصداقية الدورة الخامسة من الآلية على المحك، مؤكدة أن معيار النجاح لم يعد مرتبطا بعدد التوصيات المقبولة، بل بمدى تحويلها إلى قوانين وسياسات وإجراءات ملموسة على أرض الواقع.

وفي تحليلها لأسباب ضعف التنفيذ، أوضحت مبيكي أن الإشكال لا يرتبط فقط بالإمكانات المالية، بل يشمل ضعف التنسيق بين المؤسسات الحكومية، وغياب الإرادة السياسية في بعض السياقات، إضافة إلى محدودية آليات المتابعة بين الدورات.

ودعت في هذا السياق إلى تبني مقاربة جديدة تقوم على إشراك مختلف الفاعلين، بما في ذلك البرلمانات في الرقابة الميزانياتية، والقضاء في تفعيل التوصيات، إلى جانب المؤسسات الوطنية والمجتمع المدني في التتبع والتوثيق، في إطار ما وصفته بمقاربة "المجتمع بأسره".

وشددت على أهمية تعزيز دور الآليات الوطنية للتنفيذ والتقرير والمتابعة (NMRF)، باعتبارها أداة مركزية لتجاوز تشتت التوصيات بين القطاعات الحكومية، وضمان تحويل مخرجات نقاشات جنيف إلى خطط عمل وطنية واضحة الأهداف والمسؤوليات.

وأكدت منى مبيكي على أن "خلوة الرباط" تنعقد في لحظة مفصلية، تستوجب جعل الدورة الخامسة من المراجعة الدورية دورة للنتائج والاستجابة، بما يضمن ترجمة الالتزامات الدولية إلى تحسينات ملموسة في حياة المواطنين وأصحاب الحقوق.

وفي تفاصيل الدراسة التي عرضتها مبيكي، أوضحت أن الاستبيان أطلق بثلاث لغات (الإنجليزية والفرنسية والإسبانية)، وشمل تواصلا مباشرا مع 452 منظمة وجهة فاعلة، استجاب منها 146 منظمة بشكل كامل، مشيرة إلى أن الدراسة لا تدعي التمثيل الإحصائي الشامل، لكنها تقدم قاعدة بيانات صلبة تعكس آراء الفئات الأكثر انخراطا في الآلية، وهي الحكومات، المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني، بما يمنح نتائجها مصداقية في تحديد أولويات الدورة الخامسة.

وكشف التحليل المقارن لنتائج الاستبيان عن تباين واضح في تقدير الأثر، إذ تميل الحكومات إلى تقييم أثر المراجعة الدورية بشكل أكثر إيجابية، مع الدفع نحو تعديلات إجرائية لتعزيز الكفاءة، في حين تتبنى منظمات المجتمع المدني مقاربة أكثر نقدية، تركز على تحديات التنفيذ، خاصة ما يرتبط بالإرادة السياسية، وحماية الفضاء المدني، ورصد الانتهاكات.

واعتبرت مبيكي أن هذا التباين يفرض على الدورة المقبلة أن تكون كونية في مبادئها، ومستجيبة في الوقت نفسه لانشغالات مختلف الأطراف التي تجعل التنفيذ ممكنا على أرض الواقع.

وشددت مبيكي على أن مدخل الإصلاح يبدأ من لحظة صياغة التوصيات في جنيف، حيث أظهر الاستبيان أن التوصيات تكون أكثر قابلية للتنفيذ عندما تكون محددة وملموسة وقابلة للقياس ومتكيفة مع السياق الوطني.

وأشارت إلى الدور المتنامي للأدوات الرقمية في الدورة الخامسة، ليس فقط لتسهيل الإجراءات، بل أيضا كوسيلة أساسية لتتبع تنفيذ التوصيات وإدارة البيانات الحقوقية وتوثيق التقدم والفجوات بشكل مستمر ودقيق.

وفي سياق الأزمة المالية التي تواجهها الأمم المتحدة، حذرت مبيكي من اختزال نقاش "الكفاءة" في خفض النفقات فقط، داعية إلى اعتماد مفهوم "الكفاءة المعززة للقيمة"، الذي يركز على تحقيق أثر أكبر بموارد محدودة، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على الطابع التفاعلي والشفاف للآلية، بما في ذلك مشاركة المجتمع المدني والبث العلني للجلسات.

ولم تخل مداخلة مبيكي من التحذير من المخاطر التي تهدد مصداقية الآلية، وعلى رأسها ظاهرة "عدم التعاون" من قبل بعض الدول، حيث أظهر الاستبيان قلقا من حالات عدم المشاركة أو عدم استكمال مسار المراجعة، وهو ما يستدعي، بحسبها، وضع ضمانات إجرائية في الدورة الخامسة لضمان المساواة بين الدول وصون عالمية الآلية.