مسؤولة أممية: المغرب وفر فضاء استثنائيا ونادرا للنقاش الحر حول مستقبل "المراجعة الدورية"

محمد فرنان

أكدت جولييت دي ريفيرو، رئيسة فرع المراجعة الدورية الشاملة بمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR)، أن نجاح آلية المراجعة الدورية الشاملة (UPR) في دورتها الخامسة رهين بتبني إصلاحات عملية وواقعية تراعي التحديات المالية الراهنة التي تواجه منظومة الأمم المتحدة، مشيدة في الوقت نفسه بالدور الاستراتيجي الذي تضطلع به المملكة المغربية في دعم العمل الحقوقي متعدد الأطراف.

كلمة دي ريفيرو جاءت خلال الجلسة الافتتاحية لـ"خلوة الرباط" رفيعة المستوى المنعقدة يومي 5 و6 يونيو 2026، "تحت شعار "ما بعد الجولة الرابعة للاستعراض الدوري الشامل: دعم الآلية وضمان التأثير في واقع حقوق الإنسان".

واستهلت المسؤولة الأممية كلمتها بنقل تقدير مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان لحكومة المملكة المغربية على مبادرتها باستضافة هذه الخلوة، معتبرة أن المغرب وفر فضاء استثنائيا ونادرا للنقاش الحر حول مستقبل إحدى أهم آليات حقوق الإنسان في العالم.

وأثنت دي ريفيرو على كرم الضيافة الذي طبع استقبال الوفود المشاركة في الرباط، منوهة بمستوى التعاون الوثيق القائم بين مكتب المفوض السامي والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان بالمغرب، ومعتبرة أن هذا التنسيق يعكس التزاما مغربيا واضحا بدفع الحوار الدولي حول حقوق الإنسان.

وفي شق اتسم بالصراحة بشأن الوضع المالي للأمم المتحدة، حذرت دي ريفيرو من تجاهل الإكراهات المادية عند إعداد تصورات الدورة الخامسة، مشيرة إلى أن المنظمة تمر بظروف مالية صعبة في الوقت الراهن، وهو ما يفرض مقاربة أكثر واقعية في تصميم الإصلاحات.

وأعلنت دعمها للمبدأ الاستراتيجي القائل بأن "الإصلاح يجب أن يصمم من أجل الندرة" (Design for scarcity)، مؤكدة أن المجتمع الدولي مطالب بقدر عال من الواقعية في التعامل مع السياق المالي لآلية المراجعة الدورية، لأن الإصلاحات الطموحة قد تفقد فعاليتها إذا لم تبن على موارد مستدامة أو على تصميم يراعي ترشيد الكلفة وتعظيم الأثر.

وأكدت على أن مداخلات المفوضية في "خلوة الرباط" ستركز على تحويل هذه التحديات إلى فرص، من خلال تبسيط الإجراءات وجعل التوصيات أكثر وضوحا وقابلية للتنفيذ، وتعزيز تبادل الخبرات بين الدول والمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، بما يضمن استمرارية نجاح الآلية كمنصة للحوار والتعاون الدولي رغم القيود الميزانياتية.

وشددت على أن "خلوة الرباط" تشكل فرصة فريدة للاستماع إلى احتياجات الدول عن قرب، وضمان بقاء المراجعة الدورية الشاملة أداة فعالة قادرة على إحداث أثر ملموس في حياة الأفراد حول العالم.

وفي معرض حديثها عن جهود المفوضية لتقليص الفجوة بين جنيف والميدان، كشفت دي ريفيرو أن المفوضية السامية، وبناء على قرارات مجلس حقوق الإنسان، نجحت في نشر مستشارين متخصصين في المراجعة الدورية في جميع مناطق العالم. وأوضحت أن هذا التواجد الميداني مكن من تقديم دعم تقني مباشر ل27 دولة خلال العام الماضي، شمل مجالات حيوية مثل إصلاح أنظمة العدالة في الأرجنتين وبنما، وتعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ومكافحة التمييز في دول مثل تشيلي والمكسيك وتايلاند.

وحذرت المسؤولة الأممية من تحد برز خلال الدورة الرابعة، وهو "عدم تعاون بعض الدول" مع الآلية، معتبرة أن هذا السلوك يهدد جوهر المراجعة الدورية القائمة على مبدأ "أنه لا توجد دولة فوق المساءلة الحقوقية". وأكدت أن التعامل مع حالات عدم التعاون المستمرة سيكون اختبارا حقيقيا لقدرة مجلس حقوق الإنسان على حماية ركائز العالمية والمساواة في التعامل مع جميع الدول الأعضاء.

واستعرضت دي ريفيرو الدور المحوري للصناديق الطوعية، مشيرة إلى أن صندوق المشاركة مكن منذ تأسيسه 276 مندوبا من 119 دولة من الانخراط في مسار المراجعة. وأبرزت أن الدعم لم يقتصر على الحضور الفعلي، بل امتد ليشمل بناء القدرات الوطنية عبر تنظيم جلسات محاكاة (Mock sessions) وتطوير أدوات عملية مثل "أدلة التقارير" في إثيوبيا و"خرائط الطريق" للتنفيذ في ناميبيا وموزمبيق، مما يساهم في مأسسة العمل الحقوقي وتجاوز الطابع الظرفي للمراجعة.

وفي سياق رؤيتها لتطوير الدورة الخامسة، شددت دي ريفيرو على ضرورة الانتقال نحو "توصيات أكثر ذكاء وقابلية للاستخدام"، داعية إلى تبسيط الجوانب الإجرائية لتقليل الأعباء الإدارية على الدول، وتعزيز منصات تبادل المعرفة والتعاون التقني، مؤكدة أن الهدف هو تحويل "توصيات جنيف" إلى خطط عمل وطنية واضحة المعالم تسهل مراقبتها وقياس أثرها على حياة المواطنين.

وذكرت دي ريفيرو الحضور بأن القوة الفريدة للمراجعة الدورية تكمن في كونها مساحة للحوار البناء وحل المشكلات بشكل عملي بعيدا عن منطق المواجهة والتسييس. واعتبرت أن الحفاظ على هذه الروح التشاركية، مع إشراك أوسع للمجتمع المدني والمؤسسات الوطنية، هو الضمانة الوحيدة لاستمرار الآلية كأداة حية قادرة على مواجهة الأزمات العالمية الراهنة.