كشفت دراسة أنجزتها مؤسسة وسيط المملكة، بشراكة مع كتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي والمرصد الوطني للتنمية البشرية، حول واقع الولوج داخل الإدارات العمومية، وتحليل تجربة المرتفق في وضعية إعاقة ضمن المسار الإداري، أن مستوى حضور التأطير التنظيمي الداخلي، يظل محدودا نسبيا، حيث لم تتجاوز نسبة الإدارات التي تتوفر على وثائق أو توجيهات مكتوبة تؤطر مسألة الولوج 26 في المائة، وهي النسبة نفسها المسجلة بالنسبة لتعيين مسؤول أو مصلحة مكلفة بهذا الملف.
وأفادت الدراسة، الذي تم تقديم نتائجها اليوم في الرباط تحت عنوان "اﻟﻤﺮﺗﻔﻘﻮن ﻓﻲ وﺿﻌﻴﺔ إﻋﺎﻗﺔ: ﺷﺮوط اﻟﻮﻟﻮج اﻟﻤﺮﻓﻘﻲ واﻹدﻣﺎج اﻹداري"، أنه يترتب عن ذلك اعتماد تدبير الولوج في أغلب الأحيان على مبادرات فردية أو اجتهادات ظرفية، وهو ما لا يساعد على ترسيخ مقاربة مؤسساتية متماسكة أو على توحيد الممارسات والمعايير داخل مختلف الإدارات.
وفيما يتعلق بالولوج الفيزيائي، تظهر المعطيات وجود تقدم نسبي، خاصة على مستوى تهيئة مداخل الإدارات، غير أن هذا التقدم لا يشمل باقي مكونات الولوج بنفس الدرجة، لا سيما المرافق الصحية والإشارات التوجيهية، التي تظل محدودة في عدد من الحالات. كما تعتمد نسبة مهمة من الإدارات (81 في المائة) تدابير بديلة عند تعذر الولوج الكامل، من قبيل توفير المواكبة البشرية أو استقبال المرتفقين في الطابق الأرضي. وتعكس هذه التدابير نوعا من التفاعل العملي مع الوضعيات المختلفة، مع بقاء الحاجة قائمة إلى تهيئة هيكلية شاملة تأخذ بعين الاعتبار مختلف أنواع الإعاقة، خاصة في ظل الإكراهات المرتبطة بقدم البنايات ومحدودية الموارد.
أما على مستوى الولوج إلى الخدمات والمساطر الإدارية، فتسجل الدراسة مؤشرات إيجابية نسبيا، حيث أفادت 90.5 في المائة من الإدارات بأنها تعتمد تكييفا أو تبسيطا لبعض المساطر لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، سواء بشكل منتظم أو حسب الحالة، كما تعتمد 78.5 في المائة منها إجراءات خاصة أثناء الاستقبال، تشمل منح الأولوية وتبسيط التواصل وتوفير المواكبة. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا لخصوصية هذه الفئة، مع بروز بعض التحديات المرتبطة بالتعامل مع الإعاقات الذهنية أو النفسية، التي تتطلب أساليب أكثر تخصصا في التواصل والتوجيه.
وفيما يخص الولوج الرقمي، توضح النتائج أن 47.5 في المائة من الإدارات تقدم خدمات رقمية، وهو "ما يعكس انخراطا متناميا في مسار التحول الرقمي، غير أن مراعاة معايير الولوج بالنسبة للأشخاص في وضعية إعاقة تظل متفاوتة، كما أن 10 في المائة من الإدارات سجلت صعوبات فعلية في استعمال هذه الخدمات من طرف هذه الفئة.
وبالنسبة للتكوين والممارسات المهنية، تبين الدراسة أن موظفي 50 في المائة من الإدارات فقط استفادوا من تكوين في مجال حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، في حين لا تتجاوز نسبة التكوين في طرق التواصل 21.4 في المائة، وهو ما يعكس مجالا مهما للتطوير، خاصة وأن جودة التفاعل مع المرتفقين ترتبط بشكل مباشر بمدى تأهيل الموارد البشرية.
وأوضحت الدراسة أن وتيرة التعامل مع وضعيات الإعاقة تختلف بين الإدارات، حيث تتعامل 16.5 في المائة منها مع هذه الحالات بصفة منتظمة، مقابل 45.3 في المائة بشكل عرضي، و38.2 في المائة بشكل نادر، مما يعزز أهمية إدماج هذا الموضوع ضمن التكوين الأساسي والمستمر لجميع الموظفين.
أما بخصوص الإدماج المهني، فتشير المعطيات إلى أن 47.6 في المائة من الإدارات تضم موظفين في وضعية إعاقة، مع اعتماد تدابير مختلفة لتيسير إدماجهم، من بينها تكييف ظروف العمل (65 في المائة)، وتكييف المهام (45 في المائة)، وتهيئة فضاءات العمل (40 في المائة)، والمواكبة الإدارية أو البشرية (20 في المائة). ومع ذلك، تظل بعض الإكراهات قائمة، خاصة تلك المرتبطة بضعف التأطير التنظيمي (26.2 في المائة) ومحدودية الإمكانيات (21.4 في المائة)، إضافة إلى بعض التمثلات الاجتماعية التي قد تؤثر على مسار الإدماج.
وأوضحت الدراسة أن بناء المؤشر المركب للولوج أتاح تصنيف الإدارات إلى ثلاث فئات: 25 في المائة منها ضمن فئة المؤسسات الدامجة، و40 في المائة ضمن فئة المؤسسات الانتقالية، و35 في المائة ضمن فئة المؤسسات التي ما تزال تسجل مستويات ضعيفة من الإدماج، وهو ما يبيّن تفاوتا في مستويات التقدم بين الإدارات ويبرز الحاجة إلى تعزيز التقائية السياسات والممارسات.
ومن خلال تحليل التظلمات، كشفت الدراسة أن حضور الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن منظومة الشكايات يظل محدودا، حيث لا تتجاوز نسبتهم من مجموع المتظلمين 2.11 في المائة في السنة، وهو ما يمكن فهمه في ضوء وجود عوائق متعددة تحد من لجوئهم إلى آليات الوساطة، سواء كانت مرتبطة بالولوج المادي أو بالمعرفة بالحقوق أو بعوامل نفسية ومؤسساتية. كما تكشف المعطيات عن هيمنة الطابع الفردي على التظلمات بنسبة 94.33 في المائة، مع تفاوت بين الجنسين، حيث يشكل الرجال 74.33 في المائة من المشتكين مقابل 25.67 في المائة للنساء، إلى جانب تمركز جغرافي للتظلمات في الفضاءات الحضرية والمؤسسات المركزية، وهو ما يعكس تباينا مجاليا في الولوج إلى آليات الإنصاف الإداري.
وتظهر موضوعات التظلمات بشكل أساسي في القضايا المالية (52.21 في المائة) والإدارية (30.64 في المائة )، المرتبطة خصوصا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مثل الحماية الاجتماعية والتعويضات؛ كما تكشف معطيات طرق التلقي استمرار حضور الوسائل التقليدية، حيث يمثل الإيداع المباشر 35.56 في المائة والبريد 24.72 في المائة، مقابل تطور تدريجي للقنوات الرقمية، وهو ما يعبّر عن وضعية انتقالية في أنماط التفاعل مع الإدارة.
وتقترح الدراسة قراءة تحليلية تعتبر أن مسألة الولوج رهينة بتفاعل أربعة أبعاد مترابطة: البنية التنظيمية، والموارد المتاحة، والثقافة المهنية، والتمثلات الاجتماعية. ويظهر من خلال هذا التفاعل أن تحسين الولوج لا يرتبط فقط بالجانب التقني، وإنما يتطلب مقاربة شمولية تعيد النظر في السياسات والممارسات وتغير الذهنيات داخل الإدارة العمومية، بهدف تعزيز الانتقال نحو نموذج أكثر إدماجا.
وفي ضوء هذه الخلاصات، تبرز مجموعة من التوجهات العملية التي يمكن أن تسهم في تحسين شروط الولوج، من بينها تعزيز التأطير التنظيمي، وتطوير الولوج الفيزيائي، وترسيخ الولوج الرقمي كعنصر أساسي في التحول الإداري، والاستثمار في التكوين، والرفع من نسبة الإدماج المهني، إلى جانب إرساء آليات للتتبع والتقييم، مع إشراك الأشخاص في وضعية إعاقة والمجتمع المدني في مختلف مراحل إعداد وتنفيذ السياسات العمومية.
على هذا الأساس، تقدم الدراسة أرضية تحليلية تساعد على فهم ديناميات الولوج داخل الإدارة العمومية، وتفتح أفقا للتفكير في سبل تطوير نموذج إداري أكثر قدرة على تحقيق المساواة الفعلية وضمان كرامة جميع المرتفقين.
يذكر أن الدراسة اعتمدت مقاربة منهجية متعددة الأدوات، جمعت بين تحليل المضمون للوثائق الرسمية، وتحليل معطيات قاعدة التظلمات الواردة على مؤسسة الوسيط خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2025، حيث تجاوز ما تم تسجيله في موضوع الدراسة 790 ملفا، إضافة إلى إنجاز استمارة ميدانية شملت عينة من 44 إدارة ومؤسسة عمومية موزعة على مستويات ترابية مختلفة (مركزي، جهوي، إقليمي، محلي).
كما تم تطوير مؤشر مركب للولوج يرتكز على خمسة أبعاد رئيسية: الولوج الفيزيائي، والولوج إلى الخدمات، والولوج الرقمي، والتكوين، والإدماج المهني، بما يتيح قراءة تركيبية لمستويات الإدماج داخل الإدارة العمومية.