أصدرت وزارة الداخلية توجيهات صارمة إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والمقاطعات وأقاليم المملكة بشأن "الرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية"، مؤكدة على ضرورة توحيد تطبيق القانون رقم 14.25 المعدل والمتمم للقانون رقم 47.06 المتعلق بالجبايات الجماعية.
وركزت الدورية على تحديد أسعار الرسم بما يتناسب مع مستوى التجهيزات والخدمات المتوفرة في كل منطقة، مشيرة إلى أن التفاوت في تطبيق هذه الإجراءات بين الجماعات الترابية يفرض تعزيز التوافق وضمان الالتزام الموحد بمقتضيات القانون.
وفي هذا الصدد، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع محمد أنوار الهزيتي، الخبير في التنمية الترابية وإصلاح الإدارة، الذي كشف أن دورية وزارة الداخلية تأتي في إطار توحيد تطبيق القوانين، ومعالجة الاختلالات في تحصيل الرسم، وتعزيز موارد الجماعات الترابية، والحد من الممارسات غير المتجانسة في تحديد الأسعار، والحد من المنازاعات والطعون المرتبطة بالجباية المحلية، بما يضمن انتظام الممارسة القانونية وتحسين الأداء المالي للجماعات الترابية.
ما خلفيات توجيه وزارة الداخلية لهذه الدورية في هذا التوقيت؟
يمكن تفسير توجيه وزارة الداخلية لهذه الدورية بعدة اعتبارات مؤسساتية ومالية وقانونية متداخلة، من بينها السعي إلى توحيد تطبيق المقتضيات القانونية بعد تعديل الإطار التشريعي، إذ إن صدور القانون رقم 14.25 المعدل والمتمم للقانون رقم 47.06 المتعلق بالجبايات المحلية فرض ضرورة توحيد تفسير وتطبيق المقتضيات الجديدة بين مختلف الجماعات الترابية، خصوصا في ما يتعلق بالرسم على الأراضي الحضرية غير المبنية. وقد أظهرت الممارسة وجود تباين واضح في تطبيق القانون بين الجماعات، سواء من حيث تحديد الأسعار أو من حيث نطاق الأراضي الخاضعة للرسم.
ثانيا، معالجة الاختلالات في تطبيق الرسم، إذ لوحظ أن بعض الجماعات قامت بفرض الرسم على أراض غير مستوفية للشروط القانونية، مثل الأراضي الواقعة داخل تصميم النمو دون أن تكون مشمولة بتصميم التهيئة أو دون توفر الحد الأدنى من التجهيزات. هذا الوضع قد يخلق نزاعات جبائية ويؤثر على الأمن القانوني للملزمين.
ثالثا، تعزيز موارد الجماعات الترابية في سياق إصلاح المالية المحلية، ويأتي هذا التوجيه في سياق أوسع يهدف إلى تحسين مردودية الجبايات المحلية وتثمين الموارد الذاتية للجماعات، خاصة في ظل توجه الدولة نحو تقوية الاستقلال المالي للجماعات الترابية وتمكينها من تمويل برامج التنمية المحلية.
رابعا، الحد من الممارسات غير المتجانسة في تحديد الأسعار، إذ أظهرت المعطيات أن عددا كبيرا من الجماعات يعتمد الأسعار القصوى للرسم بشكل شبه تلقائي، دون مراعاة مستوى التجهيزات أو القدرة التكليفية للملزمين. وهو ما دفع وزارة الداخلية إلى التأكيد على اعتماد مبدأ التدرج لضمان تطبيق أكثر عدالة وتوازنا.
خامسا، الحد من المنازاعات والطعون المرتبطة بالجباية المحلية، حيث إن تراكم طلبات الإبراء أو التخفيف من الغرامات والزيادات يعكس وجود صعوبات في تطبيق الرسم أو في تحصيله، ما يستدعي تنظيما أدق للإجراءات وتوضيحا للمساطر لضمان حسن تدبير المنازعات الجبائية.
إلى أي حد يمكن أن يساهم ربط قيمة الرسم بمستوى التجهيزات والخدمات في تحقيق عدالة جبائية؟
ربط قيمة الرسم بمستوى التجهيزات والخدمات يمثل آلية مهمة لتحقيق عدالة جبائية أفقية داخل المجال الترابي، وذلك لعدة أسباب، أولا، احترام مبدأ القدرة التكليفية، حيث إن الأراضي الواقعة في مناطق مجهزة تستفيد من بنية تحتية وخدمات عمومية ترفع من قيمتها السوقية ومن إمكانية استغلالها الاقتصادي، وهو ما يبرر إخضاعها لرسم أعلى مقارنة بالأراضي الواقعة في مناطق ضعيفة التجهيز.
ثانيا، تجنب المساواة غير العادلة بين مناطق مختلفة التجهيز، إذ في غياب هذا الربط، قد يؤدي تطبيق نفس السعر على جميع الأراضي إلى عدم إنصاف الملزمين، بحيث يؤدي مالك أرض في منطقة غير مجهزة نفس الرسم الذي يؤديه مالك أرض في منطقة مركزية مجهزة بالكامل.
ثالثا، تعزيز العدالة المجالية داخل الجماعة، إذ يساهم هذا النظام في مراعاة الفوارق المجالية داخل المدن، خاصة بين الأحياء المركزية المجهزة والأحياء الهامشية أو مناطق التوسع العمراني.
رابعا، تقوية العلاقة بين الجباية والخدمات العمومية، فعندما يتم ربط الضريبة بمستوى الخدمات، يصبح النظام الجبائي أكثر مشروعية وقبولا اجتماعيا لدى الملزمين، لأنه يعكس مبدأ "المساهمة مقابل الاستفادة.
هل يمكن أن يشكل اعتماد مبدأ التدرج في تحديد أسعار الرسم آلية للحد من المضاربة العقارية؟
نعم، يمكن أن يشكل هذا المبدأ أداة فعالة نسبيا للحد من المضاربة العقارية، لكن فعاليته تبقى مشروطة بعدة عوامل. أولا، تحفيز تعبئة الأراضي داخل المدن، فعندما يرتفع الرسم تدريجيا في المناطق المجهزة، يصبح الاحتفاظ بالأراضي غير المبنية مكلفا ماليا، ما يدفع المالكين إلى أحد خيارين: استثمار الأرض وبناؤها، أو بيعها للمستثمرين أو المنعشين العقاريين، وهذا يساهم في تحريك سوق العقار وتعبئة الاحتياطي العقاري داخل المدن.
ثانيا، الحد من الاكتناز العقاري، إذ يعد الرسم على الأراضي غير المبنية في العديد من التجارب الدولية أداة لمحاربة الاكتناز العقاري والمضاربة، حيث يحتفظ بعض الملاك بالأراضي في انتظار ارتفاع الأسعار دون استثمارها.
ثالثا، تشجيع التخطيط العمراني المتوازن، إذ يساعد هذا الرسم على توجيه التوسع العمراني نحو المناطق المجهزة بدل التوسع العشوائي نحو الهوامش غير المجهزة.
رابعا، حدود الفعالية، إذ تبقى فعالية هذا الرسم محدودة في حال ضعف تحصيل الرسم، وانخفاض الأسعار مقارنة بالقيمة السوقية للأرض، ووجود استثناءات واسعة أو تطبيق غير صارم، واستمرار المضاربة العقارية المدفوعة بارتفاع الطلب الحضري.
الدورية تعكس توجها مؤسساتيا نحو تقوية حكامة الجبايات المحلية وتحقيق عدالة جبائية مجالية من خلال توحيد تطبيق القانون بين الجماعات، وربط الضريبة بالقيمة الفعلية للأرض ومستوى التجهيز، واعتماد مبدأ التدرج في الأسعار، وتحسين معالجة المنازعات والطلبات الجبائية. كما تشكل هذه الإجراءات جزءا من سياسة أوسع لتعبئة العقار الحضري غير المستغل والحد من المضاربة العقارية، بما يدعم التخطيط الحضري ويعزز الموارد المالية للجماعات الترابية.