روبورتاج: الفلاحة في الأندلس تواجه أزمة عمال.. ومنظمات تطالب بتسوية أوضاع المهاجرين المغاربة

تيل كيل عربي

تشهد الأقاليم الفلاحية في جنوب إسبانيا، وخاصة الأندلس، أزمةً حادة في اليد العاملة الزراعية، دفعت منظمات فلاحية كبرى إلى المطالبة بتسوية أوضاع آلاف المهاجرين الذين يشتغلون في حملات جني الزيتون والفواكه الحمراء والحمضيات، بينهم عدد كبير من العمال المغاربة.

وتؤكد هذه المنظمات أن ما كان في السابق “نقصًا ظرفيًا” في العمال الزراعيين، أصبح اليوم “مشكلة بنيوية تهدد استقرار القطاع الفلاحي الإسباني”، في وقت تتزامن فيه انطلاقة موسم جني الزيتون مع حملة جمع ثمار الحمضيات في مناطق مثل إشبيلية وغرناطة وهويلفا.

 

ندرة اليد العاملة.. وتحوّل في سوق الشغل القروي

يقول إدواردو مارتين، الأمين العام لمنظمة أساجا (ASAJA) في إشبيلية، إن “القطاع الزراعي لم يعد يجذب أبناء القرى كما كان في الماضي، فعدد الولادات يتراجع، والهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى تُفرغ القرى من سكانها”، مضيفًا أن “الزراعة الأندلسية تحتاج اليوم إلى المهاجرين أكثر من أي وقت مضى”.

وتُشير بيانات المنظمة إلى أن النقص لا يقتصر على العمال الموسميين، بل يشمل أيضًا الجرّارين والمختصين في الري والتقليم والتقنيات الزراعية الحديثة، وهو ما يجعل “الاعتماد على اليد العاملة الأجنبية مسألة حيوية”.

 

المهاجرون المغاربة في قلب الدورة الفلاحية

تُعد محافظة هويلفا (Huelva) نموذجًا لهذا التحوّل، إذ تستقبل سنويًا أكثر من 110 آلاف عامل موسمي خلال موسم الفواكه الحمراء، من بينهم آلاف المغربيات اللواتي يتم التعاقد معهن في إطار ما يُعرف بـ"الهجرة الدائرية"، وهو برنامج بدأ قبل نحو عقدين بين مدريد والرباط لتأمين اليد العاملة النسائية الموسمية بشروط تضمن الإقامة المؤقتة، والسكن، والعودة إلى المغرب بعد نهاية الموسم.

غير أن المنظمات الفلاحية تؤكد أن هذا النموذج، رغم نجاحه النسبي، لا يغطي سوى جزء محدود من احتياجات القطاع، إذ يُغادر العديد من العمال الأوروبيين والمغاربة المقيمين في إسبانيا مع انتهاء موسم الربيع، ما يجعل شهور الصيف حرجةً في ما يخص توافر اليد العاملة.

 

دعوات إلى “تسوية مؤقتة” لأوضاع المهاجرين

منظمة أساجا بإشبيلية اقترحت على الحكومة الإسبانية تجميد وضعية “اللاشرعية” للمهاجرين الذين يشتغلون في القطاع الزراعي لمدة عام واحد، على أن يتم لاحقًا فتح باب التسوية القانونية الدائمة لمن تتوفر فيهم الشروط.

وتشير المنظمة إلى أن كثيرًا من العمال المهاجرين “يجهلون أصلاً وجود مساطر قانونية تتيح لهم طلب تسوية الإقامة بعد سنتين من العمل في إسبانيا”.

ويُتوقع أن تتقدم المنظمة قريبًا بطلب رسمي إلى اتحاد أرباب العمل الإسبان لدعم مبادرة التسوية، في انسجام مع مقترح قانون شعبي مطروح أمام البرلمان الإسباني بدعم من أغلب الأحزاب، باستثناء حزب اليمين المتطرف فوكس (Vox)، الذي يرفض أي نوع من “العفو” عن المهاجرين غير النظاميين.

 

مفارقة اقتصادية وسياسية

في الوقت الذي تطالب فيه النقابات الفلاحية بالمزيد من المهاجرين، تشهد مناطق مثل ألميرية وهويلفا ومرسية، التي تعتمد بشدة على اليد العاملة الأجنبية، صعودًا سياسيًا لحزب فوكس، الذي يبني جزءًا من خطابه على التحريض ضد المهاجرين، رغم أن الاقتصاد المحلي يعتمد عليهم بشكل واضح.

ويشير مراقبون اقتصاديون إلى أن اليد العاملة المهاجرة أصبحت ركيزة أساسية في انتعاش الاقتصاد الإسباني بعد الجائحة، خاصة في الزراعة والبناء والخدمات، وهو ما يجعل “الهجرة ليست فقط مسألة إنسانية، بل خيارًا اقتصاديًا ضروريًا”.

 

“نطلب يدًا عاملة فجاءتنا بشرٌ حقيقيون”

من جهته، استحضر لويس بلاناس، وزير الفلاحة الإسباني، مقولة الكاتب السويسري مارك فريش حين قال: "طلبنا أيادي عاملة فجاءتنا بشرًا".

وأضاف الوزير، الذي كان سفيرًا لإسبانيا في المغرب عندما أُطلقت تجربة التعاقد الموسمي مع النساء المغربيات قبل 18 سنة، أن “المطلوب اليوم ليس فقط تشغيل المهاجرين، بل إدماجهم في النسيج الاجتماعي والاقتصادي بطريقة تحفظ كرامتهم”.

 

بين الدعم الاجتماعي والبطالة المقنّعة

تُثير المقترحات المتعلقة برفع عدد “أيام العمل المطلوبة” للحصول على دعم البطالة في القطاع الفلاحي جدلاً واسعًا في الأندلس، حيث يوجد أكثر من 117 ألف مستفيد من إعانات العمل الزراعي، في وقت يُؤكد فيه أرباب العمل أن العديد من العاطلين “يرفضون العمل الموسمي لتفادي فقدان الدعم الاجتماعي”.

ورغم ذلك، تظل الهجرة – خصوصًا المغربية – ركيزة توازن أساسية في القطاع الزراعي الإسباني، إذ تضمن استمرارية الإنتاج الزراعي وتخفف من آثار الهجرة القروية داخل إسبانيا.