زعنون: تفكيك صندوق المقاصة يفاقم هشاشة الفقراء ويدفع الطبقة الوسطى نحو الفقر

محمد فرنان

خلُص عبد الرفيع زعنون، الباحث في القانون العام والعلوم السياسية والأستاذ الزائر بالكلية متعددة التخصصات بالعرائش، إلى أن "إصلاح نظام المقاصة لم يحدث الأثر الاجتماعي المرجو منه، فبعد مرور حوالي عقد من الزمن على التحرير الكلي لأسعار المحروقات، لا تزال الشكوك قائمة حول جدية توجيه مدخرات رفع الدعم المالي السلعي نحو حماية القدرة الشرائية للفئات الأكثر تضررا".

وأضاف، في ورقته البحثية التي تحمل عنوان "تفكيك صندوق المقاصة في المغرب: هل تدفع الفئات الفقيرة والمتوسطة ثمن الإصلاح؟"، أن "الواقع السوسيو-اقتصادي يشير إلى تدهور الوضع المعيشي للطبقات الفقيرة والمتوسطة؛ فالفقراء ازدادوا بؤسا، بينما اقتربت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى من دائرة الفقر، بسبب غياب سياسات تنموية فعالة لتعزيز القوة الشرائية للفئات المتضررة من رفع الدعم".

وسجل زعنون "وجود عيوب بنيوية في منهجية التحويلات المباشرة، التي تكتفي بالتخفيف من حدة الفقر بدل استئصاله، وتقوم على سياسات زبونية تتوجه إلى قاعدة اجتماعية محدودة، عوض سياسات شاملة تمول بإصلاحات جبائية عادلة".

واعتبر أن "تحرير أسعار المواد الطاقية أسفر عن فشل مزدوج؛ فهو لم يحقق التوازنات الماكرو-اقتصادية الكفيلة بتعافي المالية العامة، ولم يحفظ في المقابل توازنات النسيج الاجتماعي أو يحد من اللامساواة، وهي تأثيرات مرشحة للتفاقم بالنظر إلى تجارب بعض الدول التي اعتمدت الدعم النقدي المستهدف بديلا عن الدعم المعمم، بينما تؤكد الأدبيات المقارنة أن هذا الأخير يفيد الفقراء أكثر من غيرهم".

ودعا الباحث إلى "إعادة الاعتبار لنظام المقاصة، كآلية لتثبيت أسعار المواد الأساسية، وفق منظور جديد يوازن بين حماية القدرة الشرائية للفئات الضعيفة والتصدي لحالات الهدر المالي".

وشدد على أن "فعالية الدعم العمومي تفترض حتما تصميم سياسات اجتماعية شاملة تراهن على اجتثاث جذور التفاوتات الاجتماعية بدل الاكتفاء بمعالجة أعراضها".

وأشار إلى أن "الحكومة شرعت منذ 20 ماي 2024 في تفكيك ما تبقى من صندوق المقاصة، من خلال التقليص الجزئي لدعم غاز البوتان، بعدما كانت قد تخلت عن دعم المواد النفطية السائلة منذ 2015، تحت مبرر تخصيص الموارد المالية المتوفرة لدعم التحويلات النقدية المباشرة للفئات الفقيرة، والتي من المرتقب أن تبلغ ميزانيتها حوالي 3 مليارات دولار بحلول سنة 2026".

وأضاف أن "الحكومة تدعي أن نظام المقاصة يستفيد منه الأغنياء أكثر من الفقراء، لكن التخلي عنه يعني في المقابل ضرب آخر قلاع الدولة الرعائية (Welfare State)، ما يهدد الوضع المعيشي للفئات الفقيرة ومتوسطة الدخل، خاصة في ظل محدودية الإجراءات المواكبة لمعالجة التداعيات السلبية لهذا الإصلاح".

وحذر زعنون من أن "التفكك التدريجي لصندوق المقاصة ينذر بالإخلال بتوازنات النسيج الاجتماعي، إذ لا يبدو أن استبدال الدعم المالي المعمم بالدعم النقدي المستهدف سيساهم في تحسين فعالية سياسات إعادة التوزيع، لا فقط بسبب الظرفية المرتبطة بتحرير الأسعار، بل أيضا جراء العيوب المتأصلة في منهجية الاستهداف، التي قد تعمق الفجوات الاجتماعية".

وأوضح أن "الدعم السلعي قد يبدو ظاهريا مفيدا للفئات الغنية، وهو ما يسوق كمبرر لإلغاء المقاصة، لكن الواقع أن هذه الفئات تسترجع أضعاف ما تفقده من دعم عبر تمرير تكاليف الأسعار المرتفعة إلى الفئات الأضعف في السوق".

وفي المقابل، أبرز أن "الفئات الضعيفة تظل عاجزة عن تعويض خسائرها جراء تحرير الأسعار، إذ لم تتحسن أحوالها المعيشية بالمستوى الذي يوازي العائد المالي لإصلاح المقاصة".

وتابع الباحث: "صحيح أن المساعدات النقدية المستهدفة قد تمكن الفقراء من الحصول على إعانات لتلبية بعض الاحتياجات، لكنها لا تضمن لهم الحد الأدنى من الدخل اللازم للعيش الكريم، ليس فقط بسبب ضعف قيمتها وإغفالها لمعدلات التضخم، بل أيضا بسبب قصور آليات الاستهداف التي تقصي المستحقين فعليا".

واستشهد زعنون بتجارب دولية تؤكد هذا القصور، موضحا أن نسبة أخطاء إقصاء الفئات الهشة من برامج الدعم النقدي المباشر تصل إلى 70% في المكسيك، وحتى جورجيا التي يقدم نموذجها كأفضل ممارسة شهدت استبعاد 46% من أفقر 10% من سكانها.

أما بخصوص الطبقة الوسطى، فأكد الباحث أنها "تتحمل كلفة مزدوجة من تفكيك المقاصة، فهي تضطر إلى شراء السلع الأساسية بثمن السوق دون أن تستفيد من أي دعم، ما يدفعها نحو عتبة الفقر، فضلا عن كونها تفتقر إلى بديل ناجع يؤمن لها الحد الأدنى من الضمان الاجتماعي".

وأضاف أن "جزءا واسعا من هذه الطبقة أصبح مطالبا بالمساهمة في تمويل برامج الحماية الاجتماعية الجديدة، من خلال تحملات جبائية إضافية مثل المساهمة الاجتماعية على الأرباح والدخل التي تطال كل موظف أو أجير يساوي أو يفوق أجره الشهري 20 ألف درهم بنسبة 1.5% من الأجر الصافي".

ولم يغفل الباحث الإشارة إلى ما أسماه "الوسط المفقود" (Missing Middle)، الذي يضم العمالة غير المنظمة المنتمية إلى الطبقة الوسطى، والتي لا تستفيد من التأمين الصحي أو معاش التقاعد بسبب غياب تسجيلها بصندوق الضمان الاجتماعي، وفي نفس الوقت تقصى من برامج الإعانات النقدية الموجهة للفقراء.

وفي هذا السياق، شدّد زعنون على أن "التحرير الكلي لأسعار المحروقات ألحق ضررا كبيرا بالقطاع غير المهيكل، بما في ذلك قطاع الزراعة، الذي يعد مصدرا استراتيجيا للدخل والتشغيل في المغرب".

وأشار إلى أن "التأثير المباشر يقع، إلى جانب الأسر الفقيرة، على الفئة المتضررة من العمالة غير المهيكلة، حيث يستحوذ الإنفاق على غاز الطهي قسطا وافرا من ميزانيتها، مقابل الأسر الميسورة التي تعتمد أكثر على الكهرباء، وكذلك الأمر بالنسبة للتنقل، وأن الفئات الأكثر حرمانا قد تلجأ إلى التدفئة بالحطب، في حين اضطر العديد من المزارعين البسطاء إلى استعمال غاز البوتان هروبا من الكلفة المرتفعة لسعر الوقود".

واعتبر أن "ادعاء الحكومة استهداف الفئات غير المستحقة التي تستغل غاز البوتان لأغراض مهنية، لا يعفيها من مسؤولية التأثير المباشر على الفئات الهشة، بما في ذلك المزارعون البسطاء الذين باتوا مضطرين لاستخدام غاز البوتان هربا من كلفة الوقود المرتفعة".