سيناريو تضليلي بلا توقيفات ولا محاضر رسمية.. تهافت قصة "الاعتداء على قاصر جزائري" بأمريكا

تيل كيل عربي

إذا كان الاحتكاك بين الجماهير الكروية أمرا متوقعا في المناسبات الرياضية العالمية، ويتعامل معه عادة وفق حجمه الطبيعي، فإن الرواية "المتضاربة" المحيطة بقصة "المشجع الجزائري في بوسطن" اتخذت مسارا مغايرا، إذ بدأت بالانتشار عبر منصات التواصل الاجتماعي، قبل أن تتلقفها وسائل إعلام جزائرية وتمنحها زخما "متعمدا"، لتنتقل سريعا إلى دائرة الخطاب السياسي، في خضم الحمى الانتخابية، في وقت لم تكن فيه الوقائع قد حظيت بعد بأي تأكيد رسمي من الجهات الأمريكية المختصة.

ومع اتساع دائرة التداول، شهدت الرواية تغيرات متلاحقة شملت عدد المعتدين المفترضين، وحجم التوقيفات، وطبيعة الإجراءات القضائية، وهي معطيات تضاربت من مصدر إلى آخر دون الاستناد إلى وثائق أو بيانات رسمية يمكن التحقق منها.

وبقيت الحقيقة معلقة على الجانب الآخر من المحيط، حيث لم تصدر السلطات الأمريكية، بما فيها شرطة بوسطن، أي بيان يؤكد الرواية التي جرى تداولها على نطاق واسع بشأن تعرض قاصر لاعتداء جماعي من طرف عشرات المشجعين المغاربة، كما لم تتناول وسائل الإعلام الأمريكية المحلية القضية وفق التفاصيل التي روج لها إعلاميا.

ولم تقف علامات الاستفهام عند حدود الصمت الرسمي، بل امتدت إلى المواد البصرية المتداولة، إذ تضمنت بعض الصور عناصر تعود بوضوح إلى كأس العالم في قطر 2022، بينما لم تسمح المقاطع المصورة بإثبات أنها توثق الواقعة نفسها أو الأشخاص أنفسهم.

أما تحديد موقع تصوير أحد المقاطع في منطقة "ذا تول شيب" (The Tall Ship) بشرق بوسطن، فلا يشكل في حد ذاته دليلا على صحة الرواية أو هوية الأشخاص الظاهرين فيه.

وتكشف متابعة مسار انتشار القضية أنها انطلقت من عدد محدود من الحسابات النشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تتوسع عبر وسائل الإعلام ثم تبلغ المستوى السياسي، وهو مسار كلاسيكي يتكرر في العديد من الحملات المعلوماتية التي تعتمد على سرعة الانتشار وفرض الرواية قبل اكتمال عمليات التحقق والتدقيق الصحفي.

ولا يعني هذا المشهد بالضرورة استبعاد وقوع مشادة عابرة أو حادث معزول، غير أن الادعاءات المتعلقة باعتداء جماعي نفذه عشرات المشجعين المغاربة، أو الحديث عن توقيفات واسعة وإجراءات قضائية كبرى، لا تزال، إلى حدود الساعة، مجرد مزاعم افتراضية غير مدعومة بأي تأكيدات رسمية صادرة عن السلطات الأمريكية.